أشهر قصائد بشاير الشيباني

أشهر قصائد بشاير الشيباني

الشرفات الخاوية تطرد الأمنيات

أجلسُ بين الغيمِ ورائحةِ الزيتون
وضحكاتِ شجرِ اللوز
والستائرِ المطرزة
الانتظارُ خلفَ قهقهاتِ الريحْ
أحوكُ ارتعاشي ببردِ المساءْ
والشرفاتُ الخاويةُ تطردُ الأمنياتْ
وأنا هناكَ وحيدةً
متكئةً على نجمةٍ تناثرتْ من عِقدِ السماءْ
ألتحفُ بفستانِها الأرجواني الساتانْ
وأشربُ نخبَ غربتنا
أشتعل ببقايا أنفاسِ ليلةِ البارحة
وأحترقُ بصمتْ[١]


ودي أنسى

ودِّي أنسى
إنّ قلبي كان مرسى
ترمي جروحك عليهْ.. كل ما مرّيت فيهْ
بعدها ترحل وتِقسى
ودِّي أنسى
كان هالشارع ظلامْ
وكان بالسكّة رصيف.. دايمٍ تِجلس عليه
كنت أشوفك من بعيدْ.. حاير بصمتك وحيدْ
وكنت ألمح بالسما دُخّان طايرْ
من غيومكْ
وأتحسّس فوق خدي دمع حايرْ
من همومكْ
تبتسم صوبي تنادي
لي تنادي؟
ما أصدّق.. لي تنادي؟
وليه تنادي
وأنت ناسيني وغادي
ودّي أنسى
إني في ليلهْ بكيتْ.. يوم جيتك ما دريتْ
إنك تنادي عليْ.. لجل تسألني عليكْ
عن عيونكْ.. عن جنونكْ
عن ألم جرّح جفونكْ
عن حبيبة قلبك اللّي
للأسف كانت تخونك
ودّي أنسى
إنّ قلبي كان مرسى
ترمي جروحك عليه
كل ما مرّيت فيه
بعدها ترحل وتقسى
ودّي أنسى[٢]


وتكون أنت الحلم

وتكون أنت الحِلمْ..
تتسرَّب..
ما بين أصابع ليلْ
خادِرٍ بالنعاسْ
تشعِل في صدري أنفاسْ
تتلحَّف عيوني سهرْ
أحلام عيَّت لا تنامْ
وفي خدي غمّازة تعبْ
وفي نظرتي زحمة كلامْ
ويطير من صوتي غمامْ[٣]


يصادف ألقاك في شرودي

يصادفْ ألقاكْ في شرُودي
في الموعدْ اللي ما نطرتهْ
على الكراسي الخاليهْ
في وسط مقهى أو كتابْ
أو في مقطع أغنيهْ
أو في شارع ما أعرفهْ
في نظرة العشاق صدفهْ
في لون قرميد المبانيْ</span>[٤]


وينوح الناي

أسير الدربْ والخطوة
ألم قاسي يناديني
أتابعْ خطوتي وأجهلْ
حبيبي وين أهو ممشاي
وضاعت سكّتي ما أدري
وش اللي صار
أنا شفيني
عجزتْ ألقى أنا نفسي
وهي تسكنْ في وسط حشايْ
وكني تايهة بصحرا ظمأ
وش عاد يرويني
خوفي غربتي همي
ودمعي وحيرتي وشكواي
وليل قاسي نوره
نساني ما يخاويني
حتى البدر هاجرني
صعيبة حيل أنا دنياي
ولو أبكي العمر كله
يا دنيا ما تهنيني
بخيله حيل بأفراحك
ولا همك في يوم بكاي
خدعتِني بأمل كاذب
سراب كان يغريني
أشوفه حلم يسعدني
يهنيني أنا بدنياي
صحيت اليوم من حلمي
لقيتك هم يشقيني
عرفت الجرح بأسبابك
خطيرة لعبتك ويّاي
هقيتك شاري حبي
لقيتك بايع سنيني
شوقك يا وهم كذاب
وعدك قاسي نساي
ولا عاد الزمن يذكر
وشللي بينك وبيني
ولا عاد الهوى موجود
مهما نتفق في رأي
كنت أحضنك بروحي
وبلسم يشفي إيديني
أشعل حب في صدرك
ولو أغفى تكون أغطاي
وكان بداخلي طفل
حنانه منولد فيني
يلبسني الحزن ثوبه
ويكفني وينوح الناي[٥]


عقرب الساعة

يضيق بها الملل وقتي
يناظر عقرب الساعة
يناظر كل وله فيني
تريى جيته صدفة
على مهل الألم قلبي
يموت بلهفة أوجاعه
على ذاك الأمل يرجي
مروره من على الشرفة
وعدني وللأسف أخلف
تعبت أتحمل خداعه
تعبت من السكوت اللي
يجاري بالوهم حلفه
صحيح أعشق دفا عيونه
هدوءه وروعة أطباعه
ويمكن ليش أهو غامض
شعوري كم صعب وصفه
جروحي ترفضه لكن
حنيني صعب إقناعه
ينادي ماضي أيامه
ولو كنت سبب نزفه
جلست أتأمل إحساسي
أنيني لحظة وداعه
رغم كل الألم قلبي
تمسك به رجى عطفه
رحل وأعطى الرجا ظهره
رمى عطفه مع إقناعه
رمى كل شي وخلاني
أدور للألم رأفة
تذكرت العيون اللي
بكت أيام ملتاعة
ومن همي أحس كل شي
بكى يمي بهالغرفة
وقف بين الهدب يأسي
صرخ "باع الهوى باعه"
عبث لو أنتظر قلبه
لقى بأقصى الهوى حتفه
يضيق به الملل وقتي
ويناظر عقرب الساعة
يناظر كل حزن فيني
تذكر قصته صدفة[٦]


كورتزار

كنت أنا دايم
أقضي أغلب أوقاتي كتابه
أو قراءة شي مسلي
وأغلب الوقت لـ"نزار"
وإن شعرت الوقت ملني
وإلا مرتني الكآبة
آخذ الجيتار وأعزف
أحلى لحن لـ"كورتزار"
وإن بكن الأوتار مني
وشاقني الحزن وعذابه
أرمي الجيتار وارسم
لوحة لأطفال صغار
أرسم أشجار وبحيرة
كوخ وأزهار وسحابه
ومن بعيد هناك
ألوّن سكة تعانق قطار
بعدها أوقف لبرهة
وأمتدح نفسي بغرابة:
والله إنه لو "بيكاسو"
شافها.. مني يغار
يعتليني صوت غنى
"من عذابه.. من عذابه"
من هو بس غيره "عبادي"
بعثر إحساسي بمرار
أرمي الألوان عني
فجأة داهمني غيابه
فجأة حسيت إني وحدي
وأصبح العالم دمار
مرني الهم بثواني
هزني بليا ذرابه
جرني لجرح دفنته
أو ركنته عالـ "يسار"
وابتدت رحلة عذابي
أسئلة تبغي إجابة:
ليه غاب؟
وكيف بعده
أشرقت شمس النهار؟
هو أنا وحدي أعاني؟
وحدي ضيعني ذهابه؟
وإلا هو مثلي
يتألم يبكي بكل انكسار
مالقيت أية إجابة
والألم سديت بابه
اكتشفت إني أضيع
وقتي بكل اختصار
خل أروح أفتح كتاب
يمكن يزيح الرتابة
أو أرد اعزف وادندن
بأحلى لحن لـ"كورتزار"[٧]


أخاف الكتابة إليك

وجهك له شكل الكلمة
رنة ضحكتك تطل من نافذة الكلام النص مفتوحة
قمصانك الملونة
كذباتك الصغيرة
تفاصيل المدينة التي تسكنها
لا تشبهك
امرأة لها تجاعيد ورقة
ورقة لها تجاعيد قلبك
من الحرف الذي لا يكتمل
يتسرّب صوتك من راءٍ ناقصة
طريقتك في مناداة اسمي موسيقا
سمرتك تعبث بلون الكلمات
فاكهة صيفية تنقسم نصفين قلبي
نكهة أنفاسك على الورق دخان
ونصوص لم تكتب بعد
عطرك المفضل يستريح في يدي
بعد مصافحة في رسالة قديمة
في صندوق خشبي
ينسى تفاصيل الريح
والشال "التريكو"
ومنذ متى
البنت الواقفة بفستان قصير
من "التور" الزهري
تدور على أرفف لغتي
أصفف الأحاديث التي لم نقلها
والأغنية التي تدندن بها
في مشاويرك القريبة "background"
خافت
أخاف الكتابة إليك أن تفضحني كلمة
أو أن أمر على نصوصي القديمة
وألمحك
أن تكون مستلقيًا ما بين فاصلتين
تضحك على ارتباكي
وارتكابي حماقة الكتابة
أن تكون النقطة التي تتدحرج في نهاية جملة
لنص لا يريد أن ينتهي
أن تشي بي قصائدي التي
أدعي بها نسيانك
فتعلم
لأنّني ما زلت أحبك[٨]


غيمة وحيدة بعد العاصفة

كانت هناك منذ البداية
تنتظر ما سيحدث
ما قبل ارتباك اللحظة وفوضى الشوارع
والأغنيات الشاردة من حناجرنا المتعبة
صداها يعلو
تراقبنا من بعيد
الشجيرات المرغمة
وهي ترقص على أوركسترا الريح
الأغصان وهي تتكسر وتسقط
السماء وهي تفقد زرقتها تدريجيًّا
تختفي الألوان
وأنا من خلف نافذتي المغلقة
أفكّر بلون عينيك
بالشيء الذي بداخلي
يتخلخل كلما قلت أحبك
فجأة
بتلك البرودة التي تسري في عروقي
لحظة مناداتك اسمي
باللحظة ذاتها تلك
وأنا أتساقط
كأوراق مجنونة على الأصيص
وأنا أتبعثر
على ناصية الطريق وحيدة
وأموت بعد انتظارك الطويل
توقفت العاصفة
وتوقفت عن انتظارك
مثل غيمة أنا
لا أحمل مطرًا ولا ظلًّا
سأمتطي حضن السماء وأمضي[٩]


لماذا أكتب

أكتب لأنّ الحياة التي أعيشها غير كافية
ولأنّ الوقت أقلّ من الحياة
لأنّ الكتابة تمنحني الأجنحة
والسماء والأفق
تمنحني المدن والمقاهي
والأحذية الخفيفة للسفر
بلا حقائب ولا مطارات
بلا أرصفة للتوقف والوداع
تمنحني القبل المبللة بالمطر
والموسيقا المحرضة على الرقص
الضوء الخافت
والنافذة المطلة على نصف قمر
تعيد لي أحبابي الذين رحلوا
أولئك الذين لم يمهلني الوقت
لأقول لهم وداعًا
أو لألوّح لهم عبر نافذة قطار
لأنني حينما أكتب
أستطيع الكذب دون الشعور بالذنب
أستطيع التحرر من ذاتي
وتلبس الأشياء
كأن أدعي أنني غيمة رمادية
تنتظر العاصفة
العاصفة التي هي بالغالب
في قلبي
قلبي المرتبك وهو يتتبع رحيلك
عبر الممر الذي لا آخر له
ينتظر أن تلتفت ولكنك تختفي
وأنسى ملامحك
عادة أنا أكتب لأنّ قلبي ليس بخير
ولأنّ لا شي آخر
يعيد توازنه في هذه الحياة
سوى الكتابة[١٠]


وعاد نوفمبر

مترنمًا بهوائه اللطيف
متهاديًا بصباحاته المبللة
يلقي تحيته المعتادة
على الشبابيك فتزهر
يمر على المقاهي الخالية
فتكتظ بالعشاق والمجانين
ومدمني القهوة
يتسلل إلى الورق الأبيض
النائم في الأدراج القديمة
ينفض عنه الغبار
يلقي تعويذته السحرية
على الشعراء
فتنزلق من بين أصابعهم
الكلمات
وتتشكل النصوص الموجعة
نوفمبر شهر الحب
الحب الجميل المفاجئ
مثل مطر خفيف
يهيّئ لنا الوقوف
تحت مظلة واحدة
بحديث مختصر ونظرة
بقلب يرتجف من البرد
والارتباك
بخطوة متعثرة وسقوط أخير
نوفمبر
الذي عاد بأمسياته الخادرة
وأغنياته القديمة
عاد ليحملنا على متن الريح
إلى سماء ثامنة
يمنحنا الأجنحة والهروب
يمنحنا الهواء والأفق
نوفمبر
الذي عاد لأنّني
اشتقت إليك جدًّا
الشوق الذي لا تستطيع الكلمة
أن تكتبه
ولا يستطيع الصمت
أن يكتمه
نوفمبر
الذي يعلم جيدًا أنني
أسكنك مهما حاولت الفرار
وأنّك تتعثر بي
عند كل منعطف
تشم رائحتي
في كل امرأة تحتضنها
وجهي
يطاردك بأحلامك
وفي صحوك
لذلك أنت تهرب
من الشوارع والنساء
من السهر والأغنيات
والحب
وأنت تعلم
لا أحد يتقن فن الهرب
مثلي
ولكنني تعبت
وقفت أمام النافذة طويلًا
أتأمّل سماء نوفمبر
المتلبدة بالسحب والاشتياق
وأنا أردد
بيتًا للراحل طلال الرشيد:
(أخاف أغمّض عيوني
والرمش تفقدك
وأخاف أفتّح وتصبح حلم
ولا ألتقيك[١١]


المراجع

  1. بشاير الشيباني، حديث الغيم، بيروت:دار الفارابي، صفحة 5.
  2. "ودي أنسى"، الشعر، اطّلع عليه بتاريخ 23/7/2021.
  3. بشاير الشيباني، كونشرتو غياب، بيروت:دار الفراشة، صفحة 30.
  4. "بشاير الشيباني"، جود ريدز، اطّلع عليه بتاريخ 23/7/2021.
  5. بشاير الشيباني، كونشرتو غياب، بيروت:دار الفراشة، صفحة 121.
  6. بشاير الشيباني، كونشرتو غياب، بيروت:دار الفراشة، صفحة 100.
  7. بشاير الشيباني، كونشرتو غياب، بيروت:دار الفراشة، صفحة 37.
  8. بشاير الشيباني، أكتب لأن الكلمة هواء، بيروت:دار الفراشة، صفحة 17.
  9. بشاير الشيباني، أكتب لأن الكلمة هواء، بيروت:دار الفراشة، صفحة 77.
  10. بشاير الشيباني، أكتب لأن الكلمة هواء، بيروت:دار الفراشة، صفحة 7.
  11. بشاير الشيباني، أكتب لأنّ الكلمة هواء، بيروت:دار الفراشة، صفحة 59.