ظاهرة الوقوف على الاطلال في العصر الجاهلي

ظاهرة الوقوف على الاطلال في العصر الجاهلي

مفهوم ظاهرة الوقوف على الأطلال في العصر الجاهلي

يشير مفهوم ظاهرة الوقوف على الأطلال في العصر الجاهلي إلى استهلال القصائد الشعرية الآثار والبقايا التي تثير الشجن لدى الشاعر وتضمينها وتصويرها، ,وتُعَدُّ هذه الظاهرة دليلًا فاطعًا على إجادة نظم الشعر والنبوغةِ به، فيعترف به مُجيدًا حسنًا وناظمًا للشعر، ونظرًا لزخر القصائد الشعرية فيالعصر الجاهلي بالأطلال؛ فقد ساد الاعتقاد لبرهةٍ من الزمن بأن الأمر إلزامي أو حتى بموجب اتفاقٍ ضمني بين الشعراء، وتتضمن عادةً الأبيات الشعرية في هذه الظاهرة وصفًا دقيقًا للطلل والآثار الباقية، ويستدل بالأطلال على الأماكن التي أمضى بها الشاعر فترة من حياته تاركًا بها ذكريات لا يمكن نسيانها، فيكون الوقوف مبكيًا بالنسبةِ له؛ فينساب سيلًا من الأبيات الشعرية، ويشار إلى أن شعراء العصر الجاهلي قد أجمعوا على تضمّن الأطلال لذكر الوقوف قبالة الديار والتسليم عليها وتعيينها، إضافةً إلى استعراض مدة الفراق وزمن الوقوف أيضًا، ولا تغيب المشاركة الوجدانية حتمًا عن ذلك سواء بمغازلةِ صاحبة الديار أو البكاء شوقًا، كما لا ينسى الشاعر نقل ماهية المشاعر التي تملكته خلال الوقوف على الأطلال[١].


أسباب ظاهرة الوقوف على الأطلال

تتمثل أسباب ظاهرة الوقوف على الأطلال في العصر الجاهلي بما يأتي[٢]:

  • المصير المجهول، يتجلى عنصر الصراع الأزلي مع كينونة الزمن في مطلع القصائد الطللية عادةً، إذ يعد الحديث حول الأطلال أسلوبٌ لإحياءِ الذات، كما يعد التخلي عن ذلك نفي وموتٌ محتوم، فيستخدم طرقًا تحيي به أمل اللقاء مجددًا؛ فيحدد المكان جملةً وتفصيلًا.
  • الحنين الدامي والشوق، يشير مصطلح الشوق إلى التعلق الشديد بشيءٍ ما وانسياق النفس إليه، وعادةً ما يكون الشوق والانحناء الوجداني للمحبوب، ينظم الشاعر الجاهلي الأبيات الشعرية تعبيرًا عن الضياع بغياب المحبوب والشعور بالحاجة العاطفية الماسة إليه، ويعد البكاء على المحبوب من أبرز سمات الشعر الجاهلي.
  • شدة التعلق بالمحبوبة، الغزل من الأغراض الشعرية الشائعة في الشعر قبل الإسلام، ويعتبر وسيلة للتخفيف عن النفس وإطلاق العنان لها للتعبير عما بداخلها، وهو فن شعري يطرب له الحزين ويثير مشاعر الرصين، وذلك لعلاقته الوثيقة بالمشاعر الفطرية بالإنسان، ويتجه الشعراء إلى الغزل تعبيرًا عن لوعة الفراق وحدود الشوق بدقة.
  • الفراق واللقاء (الخليط) ، يستخدم الشعراء مصطلح الخليط للتعبير عن حالتي الفراق واللقاء وما ينتج عنهما من مشاعر، وقد تردد استعراض هذه المشاعر لاهتمامهم بأيامِ الكلأ، وتسوء أحوالهم كلما اجتمعوا بقبائلٍ وافترقوا عائدين إلى ديارهم، وقد خرج الشعراء بكلمة الخليط أو الخِلطة من اللقاء بين القبائل وتولد المحبة والعشرة بينهم، إذ يفترق الخليط بعد اللقاء وبعدما نشأت أسمى مشاعر المودة والألفة بينهم.
  • الاقتران العميق بالأماكن، تغرس جذور حب الأرض في نفس الإنسان العربي الجاهلي تلقائيًا، مما يولد لديه شعورًا بالإنتماء والشعور بالاشتياق الدائم، ويتجلى ذلك عادةً بتكرار الكلام عن تلك الأماكن ووصفها بأبياتٍ شعرية عميقة المعنى تعكس شدة التعلق، وما يؤكد ذلك فقد حرص العربي على حملِ حفنة من تربة بلده في سفره ليستنشقه دومًا عند الشعور بالصداع أو الزكام، وتتجلى في أبيات الشعر الجاهلي أسمى معاني صدق الانتماء والولاء للوطن، حتى تجد الشاعر يصف أماكن موطنه بالتفصيل حتى أنه يبدأ بعمله سواء أكان قصيدة أم معلقة بذكر بلاده ودياره وما يحيط بها، ويصف ما نزل بها من خير وما أنبتته من عشب عدا عن وصفه للحيوانات التي كانت تستوطنه.
  • طبيعة الحياة في العصر الجاهلي، ينقسم المجتمع الجاهلي إلى حضرٍ وبدو، فكانت حياة الحضر أكثر استقرارًا من حياة البدو التي تتصف بالترحال غالبًا؛ وذلك بحثًا عن الكلأ والماء لمعيشهم، وقد ساهم ذلك بإجبار الشاعر البدوي على ترك ذكرياتٍ ومغامرت في كل مكانٍ يقطن به،عدا عن تأثير البيئة الصحراوية بالعادات والتقاليد والأخلاق والمزاج عامةً، لذلك فتجد الشاعر البدوِّي شجاع وشهم وكريم عادةً، وقد طغت هذه الصفات على الشعر المنظوم على لسان شعراء العصر الجاهلي، فيظهر به الشوق والإنتماء والوفاء للمكان السابق، و عادةً نجد سمة تعدد الغرض الشعري في المعلقة أو القصيدة الواحدة، فمثلًا يبدأ الشعر بتصوير مشهد المحبوبة والراحلة والبيئة، ومن ثم يستعرض الغرض الرئيسي للقصيدة، إضافةً إضافةً لتميزها بطولها وخاصةً في المعلقات.


موضوعات شعر الأطلال

أقدم الآمدي على حصرِ المصطلحات والمفاهيم المقترنة بالوقوفِ على الأطلال وتصنيفها، فأصبحت موضوعاتٌ يتطرق إليها الشعراء في ظاهرة الوقوف على الأطلال في العصر الجاهلي، وفي ما يلي أهم موضوعات شعر الأطلال[٢]:

  • الاستفتاح بذكرِ الديار وتحيتها، اقترن ذكر الأطلال بالمعلقات اقترانًا وطيدًا، حيث باتت الأطلال الخالية والديار المهجورة مصدرًا لتفجير ينابيع الأحاسيس الجياشة لدى الشعراء، كما أنها أسلوبٌ لتجديد الحنين إليها والوقوفِ على آثار الأحبة وديارهم، إذ يستذكر الشاعر الآثار والبصمات الباقية في الأماكن.
  • تعفية الديار من عوامل التغيير، أو تعفية الدهور والرياح والأزمان للديار؛ إذ يناظر الشاعر ما حل بالديار من تغيير ملحوظ تحت تأثير الأمطار والعواصف والرياح، إلا أن الزمان لم يتمكن من دثرها من الذاكرة؛ بل زادها حضورًا في ذاكرتهم ونفوسهم، لذلك يسعى الشاعر لاسترجاع بناء الديار في مخيلته لينساب سيلًا من الشعر فورًا.
  • استعجام واستجواب الديار، ينهال الشاعر بوابلٍ من الأسئلة على الديار؛ فيخاطبها منتظرًا الإجابة منها، في هذه الحالة أسلوبٌ للخروج من حالة المعقول إلى اللامعقول، فيعامل الجماد كأنه كائن حي.
  • البكاء على الأطلال والديار، يجلي الشاعر أحزانه وآلامه بالبكاءِ وذرف الدموع على الديار؛ مما يحقق له توازنًا عاطفيًا وترتيبًا ذاتيًا متجددًا للذكريات، إضافةً إلى تفريغ الطاقات السلبية الكامنة، وتعد العلاقة بين الأطلال والبكاء علاقةً مصيرية تحقق معنى السبب والتسبب، وأيضًا الفعل ونتائجه.
  • الاستشهاد بالآثار الطللية، يستشهد الشاعر بنؤى الحجارة والآثار الباقية لتكون دليلًا مقنعًا على صدق وجود الذكريات، فيأخذه وسيلة للإقناع بحيلولة انهيار العقل والنفس عاطفيًا.
  • استثارة الانفعال والجوى، تعد الوقفة الطللية من أكثر المشاهد تكرارًا لاستثارةِ الأحاسيس الحزينة المؤلمة واستثارة انفعال الشاعر، مما يثير البقايا الخالدة من الأطلال في النفوس، فيبكي الشاعر على الطلل ويبحث عن إجاباتٍ كامنة خلف ذلك توارت عن الأنظار، كما أنّ الديار والأماكن الطللية تزيد حدة التوتر الانفعالي لديه؛ فيصبح أكثر حزنًا وألمًا.


الوقوف على الأطلال في شعر امرؤ القيس

ترك امرؤ القيس بصمة واضحة في الخطاب النثير والشعري على حدِ سواء، وقد تأثر بذلك الشعر في الأندلس على وجه الخصوص، إذ لوحظ اقتباس النسيج الشعري الأندلسي لأساليبه في نظم القصائد والحديث عن الأطلال، فقد أصبحت مسندًا يتكئون عليه في بعض الأشعار، كما أنها وسيلة لاستنباط المصطلحات الجديدة والإلمام بكل ما آل إليه من معانٍ جديدة، وتأثر الشعراء به باعتباره مؤسس الشعر، عدا عن أنه مرسي القواعد الفنية العامة التي اعتبرت تقاليدًا وقوانيًا ينبغي الإلتزام بها، فأصبح الاستفتاح بالوقفة على الطلل أمرٌ ضروري لا محالة، وقد اعتُبِرَ شعره أساسًا للأدب الجاهلي؛ لذلك يُلمحُ تأثر الشعراء في العصر الأندلسي به[٣].

المراجع

  1. المصطفى المرابط (10/11/2019)، "مفهوم الطلل في الشعر العربي القديم"، الألوكة الأدبية واللغوية، اطّلع عليه بتاريخ 24/12/2020. بتصرّف.
  2. ^ أ ب إحسان محمود سليمان، "المكان في المقدمة الطللية في شعر المعلقات (دراسة نقدية تحليلية)"، مجلة البحث العلمي في الآداب، اطّلع عليه بتاريخ 26/12/2020. بتصرّف.
  3. عمر فارس الكفاوين، "تأثير امرئ القيس في الخطاب الأدبي والنقدي الأندلسي "، محمد ربيع، اطّلع عليه بتاريخ 26/12/2020. بتصرّف.