العالم ديكارت

بواسطة: - آخر تحديث: ١٦:٠٣ ، ٢٩ نوفمبر ٢٠١٨
العالم ديكارت

العالم ديكارت

الولادة: 31 آذار/مارس، 1596

لاهاي إن تورين، فرنسا

الوفاة: 11 شباط/فبراير ، 1650

ستوكهولم، السويد


يعدّ المفكر الفيلسوف والكاتب الفرنسي رينيه ديكارت والد الفلسفة الحديثة و أحد الشخصيات الرئيسية في تاريخ الثورة العلمية وقد حددت مساهماته المشاكل الأساسية للفلسفة لمدة قرن على الأقل. هناك كثير من الأطروحات الفلسفيّة الغربيّة التي جاءت بعده، وما كانت سوى انعكاسات لأطروحاته. كما أنّ له تأثيرًا كبيرًا في علم الرياضيات، فهو مخترع نظام الإحداثيات الديكارتية الرياضي، الذي يعدّ نواة الهندسة التحليلية. وهو أحد أهم الفلاسفة المؤيدين للمنهج العقلاني، وقد عتبر الشك الطريق الوحيد الذي يصل بنا إلى المعرفة الحقيقية.


حياة ديكارت

ولد رينيه ديكارت في 31 مارس 1596 في لاهاي إن تورين فرنسا، لكنَّ أسرته ترجع في أصلها إلى هولندا. توُفّيت والدته، جين بروكار ديكارت، العام 1597 وتزوج والده، الذي كان مستشارًا في برلمان إقليم بريتانيا الفرنسي، مرة أخرى، فأخذت جدته لأمه على عاتقها مسؤولية رعايته وإخوته. في عام 1606 التحق ديكارت بكليّة لافلشي La Flèche، وهي كلية دينيّة أنشأت لتعليم أبناء النبلاء، وقد تلقّى فيها تعليمًا فلسفيًا من أرقى أنواع التعليم في أوروبا، فتعلم فيها الأدب والمنطق والأخلاق والفلسفة والرياضيات

والفيزياء. ويظهر في وصف ديكارت لسنوات دراسته في لافلشي La Flèche، أنّه كان يشعر في كثير من الأحيان بالحرج؛ لأنّه كان يحس نفسه جاهلًا. وبعد أن ترك كلية لافلشي La Flèche في سن الثامنة عشر، حصل ديكارت على شهادة في القانون من جامعة بواتيه.

كان من عادة النبلاء في ذلك العصر الالتحاق بالجيش، فنصحه أبوه بالالتحاق بالجيش الهولندي، إذ كان أفضل جيوش أوروبا نظامًا وخبرةً. وبالفعل رحل ديكارت إلى هولندا عام 1618 وتطوّع للخدمة في جيشها الهولندي، وخاض معه عدّة معارك، وقد تنقّل خلال فترة خدمته من العام 1618 إلى 1628 بين جميع أنحاء أوروبا وشهد في تلك الفترة حرب الثّلاثين عامًا (1618-1848). ودرس -كما أوضح لاحقًا- فترة تنقله "كتاب العالم". واخترع الهندسة التحليلية، وهي طريقة لحل المشكلات الهندسيَّة جبريًا و المشاكل الجبرية هندسيًّا. كما ابتكر طريقة عالميةً للاستنباط، مستندًا إلى الرّياضيات يمكن تطبيقها على جميع العلوم. وتتكوَّن هذه الطريقة، التي صاغها فيما بعد في كتابه "مقال عن المنهج" وكتابه "قواعد لتوجيه الفكر"، من أربع قواعد:

(1) لا تؤمن بصحة شيء إذا لم يكن هناك ما يدعم صحته.

(2) تقسيم المشاكل إلى أبسط أجزائها.

(3) حل المشكلات من خلال البدء من أجزائها البسيطة وصولًا إلى المعقدة.

(4) أعد فحص المنطق.

كما حقّق أيضًا في تقارير حول المعرفة الباطنية، مثل إدعاءات ممارسي الفلسفة بالقدرة على التحكم في الطبيعة، وكان لديه شغف للتّعلم، وكان يحبّ مصادقة أولئك الذين يسعون إلى الحكمة، كما صادق علماء رياضيات وفلاسفة مشهورين أينما ذهب. ولعلّ أهم هذه الصداقات، صداقته لإسحاق بيكمان، الطبيب وعالم الرياضيات الهولندي المتبحر في العلوم، الذي شجع ديكارت على البدء في كتابة النظريات العلمية في الرياضيات. وشجعه على دراسة الفيزياء والربط بينها وبين الرّياضيات. وطريقة ديكارت وبيكمان في البحث كانت جديدةً، أساسها تطبيق الرّياضيات على الميتافيزيقا، ومن ثم رد الميتافيزيقا إلى الرّياضيات، وقد كان لهذه الطريقة أثر عميق في تطور ديكارت الفكري وتشكيل فلسفته، ولم يختلف منهجه ومذهبه الفلسفي كثيراً عن طريقة البحث تلك.


أهم أعمال ديكارت

كان أول عمل كبير لديكارت، كتاب "قواعد لتوجيه الفكر"، الذي كتبه العام 1629 ولكن لم يتم نشره حتى العام 1701. وفي العام 1629 بدأ ديكارت في كتابة رسالته "العالم" Le Monde وانتهى بحلول العام 1634، وكان قد أيّد فيها عدة نظريات لعلماء مختلفين، بما فيها نظرية نيكولاس كوبرنيكوس، التي تقول بأن الأرض ليست مركز الكون بل هي تدور حول الشمس. لم تنجُ سوى أجزاء من هذا الكتاب؛ لأنه عندما سمع ديكارت أن كتابًا نشره غاليليو، والذي كان يدعم كوبرنيكوس أيضًا، قد أدانته محكمة التفتيش والكنيسة الكاثوليكية في روما، أدى خوفه من أن يحل به ما حل بغاليليو إلى أن يتراجع عن نشرها، بل حتى أنه كاد أن يحرق أوراقها وعقد العزم على ألّا يكتب أي شيء على الإطلاق، ممّا أدى إلى توقّفه عن نشر بعض أفكاره، لكنّه سرعان ما أدرك أنّه لا يمكن أن يتوقف عن الكتابة نهائيًّا، خاصةً وأنه أحس أن الناس يتشوّقون أكثر لمعرفة أفكاره. وكتب كتاب "دراسة حول الإنسان"، الذي حاول فيه شرح علم وظائف الأعضاء البشريّة (فرع من علم الأحياء يتعامل مع الأعضاء والأنسجة والخلايا). وبعده "مقال عن المنهج" العام 1637، وهو مقال السّيرة الذاتية الفلسفية واسمه الكامل: مقال عن المنهج المتبع بحقّ في عقل المرء والبحث عن الحقيقة في العلوم. وهو المصدر الشّهير لمقولة: "أنا أفكّر، إذًا أنا موجود". وهو أحد أكثر الأعمال تأثيرًا في تاريخ الفلسفة الحديثة، كما أنّه أسهم في تطور العلوم الطبيعيّة، وقد تطرّق ديكارت فيه إلى مشكلة الشك. ويشكل هذا المقال، مضافًا إليه كتاب "تأملات في الفلسفة الأولى"، و"مبادئ الفلسفة" و"قواعد لتوجيه العقل"، قاعدة نظريّة المعرفة التي تعرف باسم "الديكارتية".


وفاة ديكارت

أمضى ديكارت باقي حياته في الدّفاع عن مواقفه. ونشر في العام 1644 كتابه "مبادئ الفلسفة"، الذي ناقش بتوسُّع ما جاء في كتابه السابق "تأملات في الفلسفة الأولى". وفي العام 1649 قبل ديكارت دعوة من الملكة كريستينا ملكة السويد، التي دعته ليعلِّمها الفلسفة. وكتب خلال هذا الوقت كتابه الأخير "انفعالات النفس"، الذي بيَّن الانفعالات على أنها نتاج للعمليات الفيزيائية والكيميائية. غير أن المناخ هناك كان قاسيًا على صحة الفيلسوف البالغ من العمر الرابعة والخمسين، فتوفي بعد خمسة أشهر فقط، في العام 1650.