مظاهر التجديد في شعر بشار بن برد

مظاهر التجديد في شعر بشار بن برد

مظاهر التجديد في شعر بشار بن برد

ظهرت العديد من مظاهر التجديد في شعر بشّار بن برد، وهي كما يأتي [١]:


في الهجاء

هجا الشاعر بشّار بن برد العديد من الأشخاص، وقد ظهر هذا المظهر لإظهار براعته الشعريّة، وكان يذم به من حوله ويسخر منهم، فقد كان يقذف من حوله بصراحة دون خجل، ويذكر صفاتهم الجسديّة أو الأخلاقيّة والاجتماعيّة، وقد حاول العديد من الأشخاص منحه المال ليردّوا أذاه عنهم، ومن أمثلة الهجاء لديه أنّه قد هجا العباس بن محمد عم المهدي، وذلك بسبب بخله فقال فيه:

ظلّ اليسار على العبّاس ممدود

وقلبه أبدا بالبخل معقود.


كما قال بشار يهجو شخص آخر بخيل:

إذا جأته في حاجة سدّ بابه

ولم تلقه إلّا وهو أنت كمين.



  • كما سخر بشار من الصفات الشكليّة للأشخاص الذين يهجوهم، فقد قال عن طول عنق واصل:

مالي أشايع غزال له عنق

كنقنق الدودن ولّى وإن مثلا

عنق الزرافة ما بالي وبالكم

تكفرون رجالًا كفروا رجلًا.


في المديح

كان الشاعر بشّار بن برد يعتمد على الطريقة التقليديّة في قصائد المدح، ومع ذلك كان يحاول دائمًا التجديد فيبرع جيدًا بشيء جديد، أو يبدع بأن يسوق المعنى القديم بلفظ ومعنى جديد، إذ حاول التقرّب من الولاة والخلفاء في تلك الفترة واعتمد على طريقة المدح القديمة وذلك بذكر صفات الممدوح كالكرم وصفه بالبحر والغيث، ووصفه بالإقدام والشجاعة، ومن الأمثلة للمديح ما قاله في خالد بن برمك:

لقد أجدى علي بن برمك

وما كان من الغنى عنده يجدي

حلبت بشعري راحتيه فدرّتا

سماحًا كما درّ السحاب مع الرعد.


في الوصف

تميّز الشاعر بشّار بن برد بدقّة تصويره ووصفه رغم أنّه ضرير، وقد أدهش الناس بهذه الصفة، كما تناول في شعره الحضارة الفارسية بمرافقها الجديدة من البساتين والحدائق واللهو، ومن أبيات الوصف التي قالها في امرأة:

عجبت من فطمة من نعتي لها

هل يجيد النعت مكفوف البصر


في الرثاء

كان الشعراء يرثون كلّ من يموت من الوزراء والخلفاء، ويحاولون تصوير بطولاتهم، وأنّ الأمّة جميعها حزنت لموتهم، وقد حاول بشّار بن برد رثاء صديقه الزنديق الذي توفيّ فقال:

ويلي عليه وويلي من بينه

كان المحبّ وكنت حبًا فانقضى

قد ذقت ألفته وذقت فراقه

فوجدت ذا عسلًا وذا جمر الغضا


في الغزل

يُعدّ الغزل من أغراض الشعر العربي المُنتشر منذ عصر الجاهليّة وهو نوعين غزل عفيف وغزل حسّي، فكان الشاعر يصف محبوبته ويتغزّل بها، والجديد هو تحويل الشاعر صفة الكلام إلى صفة بصرية، من الأمثلة من شعر بشّار بن برد في الغزل:

حوراء إن نظرت إليكِ

سقتكِ بالعينين خمرا

وتخال ما جمعت عليه

ثيابها ذهبًا وعطرًا


نشأة الشاعر بشار بن برد

ولد الشاعر بشّار بن برد في مدينة البصرة في سنة 714م من أبّ فارسي الأصل اسمه بردا وكان هو وامرأته مملوكين لامرأة عقيلية اعتقت بشّار، ثم انتسب إليهم ونشأ بينهم فأصبح لسانه عربيًّا خالصًا، وقد ترعرع بالبصرة وتميّز بذكائه وعبقريته؛ إذ بدأ يُنظّم الشعر عند بلوغه 10 سنوات من عمره، لكنّه كان شقي وغير مهذّب ولا يخاف أحدًا فبدأ يهجي الآخرين، وينتهك أعراضهم، وحاول أن يهجو جرير لكنّه لم يُلقي له بالًا، كما أنّه حاول أن يتقرّب من خلفاء بني أميّة إلّا أنّه لم يكن مقبولًا لديهم، ثم بدأ الانتظام بالذهاب إلى حلقات الأدب والعلم في البصرة، ويتصل بشيوخها، ثم ألحد وتطرّف إلى الزندقة مما أدّى إلى نفيه من البصرة [١].


نماذج من شعر بشار بن برد

نُدرج فيما يأتي بعض النماذج من شعر بشّار بن برد [٢]:

فقلتُ دَعُوا قلبي وما اختار وارتضى

فبالقلب، لا بالعين، يُبصر ذو اللُّبّ

وما تُبصر العينان في موضع الهوى

ولا تسمعُ الأُذنان إلّا من القلب.


كما قد قال:

ومُرتجة الأرداف مهضومة الحشا

تَحورُ بسحر عينُها وتدور

إذا نظرت صبّت عليك صبابةً

وكادت قلوب العالمين تطير


كما أنّه قال:

أرانا قريبًا في الجوار ونلتقي

مرارًا ولا نخلو، وذاك عجيب


وقال أيضًا:

قُربُ دار الحبيب قُرَّة عين

وكأنّ البِعاد في القلب ثُكلُ


وصف المرأة في شعر بشار بن برد

ذكر الشاعر بشّار بن برد المرأة في شعره ووصفها في العديد من الأبيات الشعريّة ومنها ما يأتي [٣]:

إنّ النساء مُضيئات ظواهرها

ولكن بواطنها ظلم وإظلامُ

كالدهر في صرفه سقم وعافية

وكالزمان له بؤس وإنعامُ


وقال أيضًا [٤]:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم

الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا

هل من دواءٍ لمشغوف بحاريةٍ

يلقى بلقيانها روحًا وريحانا


وقال أيضًا [٥]:

وذات دلٍ كأنّ البدر صورتها

باتت تغني عميد القلب سكرانا

إنّ العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

فقلت أحسنت يا سؤلي ويا أملي

فأسمعيني جزاك الله إحسانا

يا حبّذا جبل الريّان من جبلٍ

وحبّذا ساكن الريّان من كان

قالت فهلّا فدتك النفس أحسن من

هذا لمن كان صبّ القلب حيرانا

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

فقلت أحسنتِ أنتِ الشمس طالعة

أضرمت في القلب والأحشاء نيرانا

فأسمعيني صوتًا مُطربًا هزجًا

يزيد صبًا مُحبًا فيك أشجانا

يا ليتني كنت تفاجًا مفلجةً

أو كنتُ من قضب الريحان ريحانا

حتى إذا وجدت ريحي فأعجبها

ونحن في خلوة مثلت إنسانا

فحركت عودها ثم انثنت طربًا

تشدو به ثم لا تخفيه كتمانا

أصبحت أطوع خلق الله كلهم

لأكثر الخلق لي في الحب عصيانا

فقلت أطربتنا يا زين مجلسنا

فهات إنّك بالإحسان أولانا

لو كنتُ أعلم أنّ الحب يقتلني

أعددت لي قبل أن ألقاك أكفانا

فغنت الشرب صوتًا مؤنقًا رملًا

يذكي السرور ويبكي العين ألوانا

لا يقتل الله من دامت مودته

والله يقتل أهل الغدر أحيانا

لا تعذلوني فإنّي من تذكرها

نشوان هل يعذل الصاحون نشوانا

لم أدر ما وصفها يقظان قد علمت

وقد لهوت بها في النوم أحيانا

باتت تناولني فاهًا فالثمه

جنية زوجت في النوم إنسانا


المراجع

  1. ^ أ ب "دور بشار بن برد وأبي نواس في تجديد الشعر العربي"، معهد اللغات والأدب العربي، اطّلع عليه بتاريخ 13/12/2020. بتصرّف.
  2. "بشار بن برد"، عالم الأدب، اطّلع عليه بتاريخ 13/12/2020. بتصرّف.
  3. " إن النساء مضيئات ظواهرها"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 13/12/2020. بتصرّف.
  4. "يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 13/12/2020. بتصرّف.
  5. "وذات دل كأن البدر صورتها"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 13/12/2020. بتصرّف.