مراحل تطور الشعر العربي

مراحل تطور الشعر العربي

مراحل تطور الشعر العربي

الشعر في العصر الجاهلي

يصعب تحديد الشعر الجاهلي الذي كتب بيدٍ جاهلية، فكلُّ الشعر الجاهلي دوِّن لاحقًا من أفواه الرواة، علمًا أنَّ أغلبها لم يكن سوى محاولات قريبة من شعر تلك الحِقْبَة التاريخية، فمن الباحثين من يقول أنَّ الشعر الجاهلي وُلِد قبل الإسلام ب2000 سنة، ومنهم من يقول أنه سبق الإسلام ب1000 سنة، ويُرجِّح رأيٌ آخر أنَّ الشعر نشأ قبل الإسلام ب7 قرون، ولكن يجدر ذكر أنّ بداية صياغة الشعر كانت ضعيفةً بطبيعة الحال، إلا إنّها تطورت مع مرور التاريخ بتراكيبها وبحورها[١].


يُعرف العصر الجاهلي بالفترة التي سبقت عصر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وتعد هذه الحِقْبَة مجهولةً بعض الشيء، بيد أنَّ التأريخ لها بَدْء بعدها بفترة وليس خلالها، وذلك بواسطة تناقل الرواة للشعر الأمر الذي شكَّل صورةً عامةً للعصر الجاهلي فيما بعد، ويمكن وصفها بأنها الحِقْبَة التأسيسية للشعر العربي اللاحق لها، ومن الجدير بالذكر أنَّ المجتمع الجاهلي في تلك المدّة إذا جاز التعبير كانوا مجتمع شفهيًا؛ أي يتناقل الكلام والشعر شفهيًا لا كتابيًا، فالكتابة كانت محدودة ًومقيدةً على بضعة أمور فقط، لذا تميَّزت هذه الفترة بقوة الشعر والابتكار البديع للقصائد والأبيات الشعرية، كما اتّصف شعر العصر الجاهلي ببساطة الألفاظ وجزالتها ووضوحها وشابه في قسوته حياة البداوة القديمة، وقلّ استخدام الأساليب المبتذلة فيه، بل وتميز برصانته رغم نشأته في العصور الأدبية البدائية[٢].


الشعر في صدر الإسلام

كان للعصر الإسلامي أثر كبير على الشعر العربي؛ فقد غير مفاهيم وأفكار كانت مترسخةً فيه ورفع من مكانته ليسمو بأهداف المعرفة والنور والهداية، وليبتعد عن الضلال والجهالة والترف فيكون الدين هو الهدف الأسمى، وكان الدين الإسلامي هو الكلمة الفاصلة فيما يقول الشعراء، فقد قيَّد الشعر ليكون في الأمور الأسمى بعيدًا عن المغالاة وقول كل ما يخطر على البال، وقد ذكر القرآن حال بعض الشعراء فقال الله في كتابه العزيز: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}[٣]، وقد قصد القران الشعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي -صلى الله عليه وسلم- والدين الإسلامي، كما إنَّ ظاهر الآية يصف الشعراء الذين يقولون الشعر بأهوائهم ويبالغون ويكذبون بما يرونه من قصص.

علمًا أنَّ القران لا ينتقد الشعر بحد ذاته، ولكنّه ينتقد المذهب والطريقة التي يسلكها بعض الشعراء بأن يقولوا ما لا يفعلون تبعًا لأهوائهم، وقد يصل بهم الكذب من أجل أهداف في أنفسهم، بيد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- شجَّع الشعر، فكان للمسلمين شاعرهم حسان بن ثابت الذي كان يهجو كفار قريش والمشركين، وهنا وضَّح الإسلام بأن نظم الشعر في الخير بما يخدم الأهداف النبيلة يكون عملًا مأجورًا ومشكورًا، وهذا ما قصدهم بنفس الآيات فيما بعد: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...}[٤]، فاستقى الشعراء في عصر الإسلام من القران والسنة منال الحكمة والصدق والعدل في شعرهم، ووصفوا المسلمين بالكلام الطيب وصالح أعمالهم من العبادات والإيمان الخالص بالله عز وجل، كما جاؤوا بمدح الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومن الجدير بالذكر أن اشتغال الناس بالشعر قد ضعف في بداية هذا العصر بسبب انشغالهم عنه بالإعجاز البياني الذي أتى به القران الكريم وأسلوبه الفريد الذي غيَّر كل شيء[٥][٦].


الشعر في العصر الأموي

من أبرز صفات الشعر العربي في العصر الأموي تميزه السياسي، إذ وصف الشعراء معارك القتال وإنجازات الدولة الأموية آنذاك، وكان للقادة من كافّة الفئات والمذاهب دور في ذلك، وإبّان توسع الدولة الأموية وفرض سيادتها على أماكن شاسعة ازدادت الرَفَاهيَة بين أفراد الرعية وزاد شجع الشعراء ما انعكس على طبيعة الشعر، فبرز الشعر الغزلي والعاطفة الجياشة، كما اجتهد الشعراء في نسج القصص الخيالية عن العشق والهوى على طريقة الشعر الغزلي، وكان لقادة الدولة دور في إعلاء شأن الشعراء؛ لمعرفتهم بأهمية الشعر في تقوية الدولة وإبراز منجزاتها للخصوم، فأحاطوا أنفسهم بأشهر شعراء ذلك العصر، حتى إن بعض هؤلاء الشعراء من استمر ولائه لقادة الدولة الأموية حتى بعد ضعفها وتغنى وكتب القصائد الشعرية لمدحهم، وعلى النقيض تمامًا فقد كان هناك العديد من الشعراء الذي وقفوا ضد الأمويين حتى إنهم انحازوا مع أعدائهم، ولكن بحنكة القادة الأمويين فقد استوعبوا الغالبية العظمى من هؤلاء الشعراء إلى صفِّهم، وبصورة عامة فقد اهتم الأمويين بالشعر الجاهلي وتدوينه كذلك، فازدهر الشعر بوضوح في العصر الأموي[٧].


الشعر في العصر العباسي الأول

يتأثر الشعر كغيره من الثوابت بالمتغيرات الحياتية التي حوله، وبرز ذلك جليًا في تطور الشعر في العصر العباسي، فمع التطورات الحاصلة في أرجاء الدولة الإسلامية تطورت معه الفنون والأغراض الشعرية، وتطورت تبعًا للتمازج بين الثقافة العربية والإسلامية بالثقافات الأجنبية الأخرى، كما كثر استخدام التشبيهات والمحسنات البديعية، بالإضافة لتطور أساليب الشعراء؛ بتحليلهم شعر من قبلهم، والتصرف بمعانيها، بل وزادوا عليها بأسلوبهم، وتميز الشعر في العصر العباسي برقة الكلمات المستخدمة وسهولتها، وقد ظهرت بحور وأوزان جديدة لم تكن معروفةً سابقًا مثل المزدوج والمخمس، وافتتح الشعراء قصائدهم بذكر الغرض مباشرةً، ومنهم من ظل على الطريقة المعتادة بابتداء القصيدة بالغزل أو البكاء على الأطلال، وعلى هذا كله فقد تطور الشعر في العصر العباسي تطورًا واسعًا وشاملًا في كافة النواحي والمجالات[٥].


الشعر في العصر العباسي الثاني

بعد ضعف سيطرة الأتراك على بغداد وتقدم البوهيين على سيادة الحكم تقسمت الدولة الإسلامية الموحدة إلى إمارات متعدد مثل الدولة الحمدانية التي سيطرت على معظم مناطق بلاد الشام، والأخدشية في مصر، ونتيجةُ لذلك جمع كلٌّ الأمراءُ والخلفاءُ الشعراءَ والأدباءَ حولهم، وبذلوا لهم الأموال للمنافسة فيما بينهم، فبرزت بذلك العلوم والآداب وعلى رأسها الشعر، ولكن في نهاية العصر العباسي الثاني ظهرت اللغة العربية بمظهر الضعف، فكان الشعراء والأدباء مقرَّبون لأصحاب الجاه والنفوذ ومع انتشار الورق والمدارس والمكتبات العامة والخاصة تحسَّن الشعر وتقدم واتَّسع باتساع الآفاق، ومع ازدهار شتى العلوم من رياضيات وفلسفة ونحو وصرف؛ كان لذلك تأثير على الشعر والشعراء، فظهر شعراء كحال أبي الطيب المتنبي والحمداني وأبي العلاء المعري والشريف والرضي وغيرهم؛ فتطور بذلك الشعر ليكون لكل شاعر أسلوبه الخاص إن جاز التعبير، وقد يُعدُّ هو العصر الذهبي لعصور الشعر[٥].


الشعر في العصر الأندلسي

ومع فتح الأندلس من قبل المسلمين انتشرت اللغة العربية في الأندلس، كما وقد سافر إليها الكثير من العرب وأصبح الحكم عربيًا في الأندلس، وسافر الشعر الغربي المتأصل في نفوس العرب معهم إلى البلد الجديد أيضًا، وكان الشعر لا يزال يتصِّف بكونه شعرًا تقليديًا آنذاك، ومع الوقت امتزجت الثقافة الإسبانية مع الشعر العربي والطبيعة الأندلسية، وتشابه الشعر الأندلسي بالشعر العربي في الشرق وقلَّد الشعراء الأندلسيون في أسلوبهم شعراء العرب، إضافةً لتطوُّر الشعر في الأندلس ليجمع الفلسفة والغناء، فكان الشاعر الأندلسي يعبِّر عن كل ما يشعر به شعرًا، وكان في بداياته الأسلوب المعتاد للشعر، ولكن مع الامتزاج بالحضارة الغربية تحول ليتأثر بالغناء ومنه للتحرر من القيود الشعرية ومنذ هذا العصر ظهرت الموشحات الشعرية[٥].


الشعر في العصر الحديث

اختلفت الأساليب الشعرية في العصر الحديث وتبعت عما كانت عليه في السابق، في العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، فكان للتحولات الثقافية والعلمية والثورات الصناعية دور كبير في تكثيف الأساليب الشعرية في هذا العصر، وكثرت هذه الأساليب حتى أصبح من الصعب حصرها وتبيان تمايزها بين بعضها، وتمثلت هذه الأساليب بالشعر الحر والقصائد النثرية، كما ظهر الشعر المسرحي أو التمثيلي أيضًا[٥].


نماذج من الشعر العربي عبر التاريخ

عبَّر الشعراء على مر العصور عمَّا يخالج مشاعرهم من الحياة اليومية والصراعات التي عاشوها، فمنهم من أبدع وتميز عن غيره من شعراء عصره، وفيما يلي سنذكر بعض أهم الشعراء في وبعضًا من قصائدهم من مختلف العصور[٨]:


من شعر العصر الجاهلي

من أشهر الشعراء في هذا العصر هو الشاعر امرؤ القيس، وهو شاعر يماني الأصل عرف بلقبه، وفيما يلي سنذكر من قصيدته لمن طلل بين الجدية والجبل التي عدد أبياتها 55[٩]:

لِمَن طَلَلٌ بَينَ الجُدَيَّةِ والجبَل

مَحَلٌ قَدِيمُ العَهدِ طَالَت بِهِ الطِّيَل

عَفَا غَيرَ مُرتَادٍ ومَرَّ كَسَرحَب

ومُنخَفَضٍ طام تَنَكَّرَ واضمَحَل

وزَالَت صُرُوفُ الدَهرِ عَنهُ فَأَصبَحَت

عَلى غَيرِ سُكَّانٍ ومَن سَكَنَ ارتَحَل

تَنَطَّحَ بِالأَطلالِ مِنه مُجَلجِلٌ

أَحَمُّ إِذَا احمَومَت سحَائِبُهُ انسَجَل

بِرِيحٍ وبَرقٍ لَاحَ بَينَ سَحَائِبٍ

ورَعدٍ إِذَا ما هَبَّ هَاتِفهُ هَطَل

فَأَنبَتَ فِيهِ مِن غَشَنِض وغَشنَضٍ

ورَونَقِ رَندٍ والصَّلَندَدِ والأَسل

وفِيهِ القَطَا والبُومُ وابنُ حبَوكَلِ

وطَيرُ القَطاطِ والبَلندَدُ والحَجَل

وعُنثُلَةٌ والخَيثَوَانُ وبُرسُلٌ

وفَرخُ فَرِيق والرِّفَلّةَ والرفَل

وفِيلٌ وأَذيابٌ وابنُ خُوَيدرٍ

وغَنسَلَةٌ فِيهَا الخُفَيعَانُ قَد نَزَل

وهَامٌ وهَمهَامٌ وطَالِعُ أَنجُدٍ

ومُنحَبِكُ الرَّوقَينِ في سَيرِهِ مَيَل

فَلَمَّا عَرَفت الدَّارَ بَعدَ تَوَهُّمي

تَكَفكَفَ دَمعِي فَوقَ خَدَّي وانهمَل

فَقُلتُ لَها يا دَارُ سَلمَى ومَا الَّذِي

تَمَتَّعتِ لَا بُدِّلتِ يا دَارُ بِالبدَل

لَقَد طَالَ مَا أَضحَيتِ فَقراً ومَألَف

ومُنتظَراً لِلحَىِّ مَن حَلَّ أَو رحَل

ومَأوىً لِأَبكَارٍ حِسَانٍ أَوَانسٍ

ورُبَّ فَتىً كالليثِ مُشتَهَرِ بَطَل

لَقَد كُنتُ أَسبى الغِيدَ أَمرَدَ نَاشِئ

ويَسبِينَني مِنهُنَّ بِالدَّلِّ والمُقَل


من شعر العصر الأموي

يعدٌّ معاوية بن أبي سفيان أحد شعراء هذا العصر، وهو مؤسس الدولة الأموية في بلاد الشام، إذ وليَّ الخلافة سنة 41 للهجرة، ومن قصائده (ألا يا سعد قد أظهرت شكا)، وهي[١٠]:

ألاَ يا سعدُ قد أظهرتَ شَكّاً

وشَكُّ المرءِ في الأحداثِ داءُ

عَلَى أَيِّ الأمورِ وقفتَ حَقّاً

يُرَى أو باطلاً فَلَهُ دواءُ

وقَدْ قالَ النّبِيّ وحَدّ حدّاً

يُحِلّ به من الناسِ الدّماءُ

ثَلاثٌ قاتِلٌ نفساً وزانْ

ومُرْتَدّ مَضَى فيه القَضَاءُ

فإنْ يكنِ الإمامُ يَلُمّ مِنْها

بِواحِدَةٍ فَلَيسَ لَهُ وَلاءُ

وإلاّ فالذي جِئْتُمْ حَرَامٌ

وقاتِلُهُ وخاذِله سواءُ

وهذا حُكْمُهُ لا شَكّ فيه

كما أنّ السّماءَ هِي السّماء

وخيرُ القولِ ما أوجزتَ فيه

وفي إكثاركَ الدّاءُ العَيَاءُ

أبا عَمْروٍ دَعَوْتُكُ في رِجالٍ

فجازَ عَراقِيَ الدّلْوِ الرّشاءُ

فأَمّا إذْ أبيتَ فليسَ بَيْني

وبينَكَ حُرْمَةٌ ذَهَبَ الرّجاءُ

سِوى قولي إذا اجتمعت قريشٌ

عَلَى سَعْدٍ مِنَ اللهِ العَفَاءُ


من شعر العصر العباسي الأول

أبو العتاهية (747-826)، وهو شاعر معروف عاش في العصر العباسي واتصف شعر بالإبداع، إذ كان ينظم في اليوم الواحد 150 - 100 بيت شعر، وفيما يلي أبيات من قصيدته (أذل الحرص والطمع الرقابا) التي تتكون من 30 بيتًا[١١]:

أَذَلَّ الحِرصُ وَالطَمَعُ الرِقابا

وَقَد يَعفو الكَريمُ إِذا اِستَرابا

إِذا اِتَّضَحَ الصَوابُ فَلا تَدَعهُ

فَإِنَّكَ كُلَّما ذُقتَ الصَوابا

وَجَدتَ لَهُ عَلى اللَهَواتِ بَرداً

كَبَردِ الماءِ حينَ صَفا وَطابا

وَلَيسَ بِحاكِمٍ مَن لا يُبالي

أَأَخطَأَ في الحُكومَةِ أَم أَصابا

وَإِنَّ لِكُلِّ تَلخيصٍ لَوَجهاً

وَإِنَّ لِكُلِّ مَسأَلَةٍ جَوابا

وَإِنَّ لِكُلِّ حادِثَةٍ لَوَقتاً

وَإِنَّ لِكُلِّ ذي عَمَلٍ حِسابا

وَإِنَّ لِكُلِّ مُطَّلَعٍ لَحَدّاً

وَإِنَّ لِكُلِّ ذي عَمَلٍ حِسابا

وَكُلُّ سَلامَةٍ تَعِدُ المَنايا

وَكُلُّ عِمارَةٍ تَعِدُ الخَرابا

وَكُلُّ مُمَلَّكٍ سَيَصيرُ يَوماً

وَما مَلَكَت يَداهُ مَعاً تَبابا

أَبَت طَرَفاتُ كُلِّ قَريرِ عَينٍ

بِها إِلّا اِضطِراباً وَاِنقِلابا

كَأَنَّ مَحاسِنَ الدُنيا سَرابٌ

وَأَيُّ يَدٍ تَناوَلتِ السَرابا

وَإِن تَكُ مُنيَةٌ عَجِلَت بِشَيءٍ

تُسَرُّ بِهِ فَإِنَّ لَها ذَهابا

فَيا عَجَباً تَموتُ وَأَنتَ تَبني

وَتَتَّخِذُ المَصانِعَ وَالقِبابا

أَراكَ وَكُلَّما أَغلَقتَ باباً

مِنَ الدُنيا فَتَحتَ عَلَيكَ بابا

أَلَم تَرَ أَنَّ كُلَّ صَباحِ يَومٍ

يَزيدُكَ مِن مَنِيَّتِكَ اِقتِرابا

وَحَقَّ لِموقِنٍ بِالمَوتِ أَلّا

يُسَوِّغَهُ الطَعامَ وَلا الشَرابا


من شعر العصر العباسي الثاني

ومن أهم شعراء العصر العباسي الثاني هو أبو الطيب المتنبي، وفيما يلي قصيدة له بعنوان (خذ في البكا إن الخليط مقوض) والتي تتألف من 30 بيتًا[١٢]:

خُذْ في البُكَا إنّ الخَليطَ مُقَوِّضُ

فمُصَرِّحٌ بِفِراقِهِمْ ومُعَرِّضُ

وأَذِبْ فُؤَادَكَ فَالنَّصيرُ على النَّوَى

عَينٌ تَفيضُ ومُهجةٌ تتفضَّضُ

هَاتيكَ أَحْدَاجٌ تُشَدُّ وهَذهِ

أطْنَابُ أخْبِيةٍ تُحَلُّ وتُنْقَضُ

وورَاءَ عيسِهِمُ المُنَاخَةُ عُصْبةٌ

أكْبادُهُم وهُمُ وقُوفٌ تركُضُ

وقفُوا وأَحْشَاءُ الضَّمَائِرِ بالأسَى

تُحشَى وأوْعيةُ المَدَامِعِ تَنْفُضُ

يَتَخافتُونَ ضَنىً فَمُطْلِقُ أَنَّةٍ

ومُطَامِنٌ من زفرةٍ ومُخَفِّضُ

قبضُوا بأَيدِيهِمْ علَى أكبادِهِمْ

والشَّوقُ ينزِعُ من يدٍ ما تَقبِضُ

فإذَا هُمُ أَمِنُوا المُرَاقِبَ صَرَّحُوا

بِشَكاتِهِمْ وإنْ اسْتَرابُوا أعْرَضُوا

رَحَلُوا وآراءُ البُكَاةِ ورَاءَهُمْ

شَتَّى فَسَافِحُ عَبْرَةٍ ومُغيّضُ

أتْبَعْتُهُمْ نَفَساً ودَمْعاً نَارُ ذا

يشْوي الرِّياضَ وماءُ ذَاكَ يُروّضُ

مَنْ نَاشِدٌ لي بالعَقِيقِ حُشَاشةً

طَاحَتْ ورَاءَ الرَّكبِ سَاعةَ قَوَّضُوا

لمْ تَلْوِ راجِعَةً ولَمْ تلْحَقْ بِهِمْ

حتَّى وَهَتْ ممّا تُطيحُ وتنهَضُ

أَتُرَى رُمَاتُهُمُ درَوا مَنْ أوغَلُوا

في قَلبِهِ تلْكَ السِّهَامَ وخَضْخضُوا

يا قَدْ رَضِيتُ بِمَا أَرَاقُوا مِنْ دَمِي

عَمْداً علَى سُخْطِ القَبيلِ فهَلْ رَضُوا

فَهَنَاهُمُ صَفْوُ الزُّلالِ وإنْ هُمُ

بالرِّيقِ يَومَ وَداعِهِمْ لي أجْرَضُوا

باتُوا أَصِحَّاءَ القُلُوبِ وعندنَا

منهُمْ علَى النأْي المُعلُّ المُمْرِضُ

يا صَاحِ أنْتَ المسْتَشَارُ لِمَا عَرَا

من حَادِثِ الأيَّامِ والمُسْتنهضُ

أشْكُو إليكَ صَبَاً يُعِينُ على دَمِي

بَرْقاً تَأَلَّقَ بعدَ وَهْنٍ يُومِضُ

فَمَنِ المُذِمُّ علَى المحَاجِر من سَنَا

بَرْقٍ كصِلِّ الرَّملِ حينَ يُنْضنِضُ

قَلِقُ الوميضِ فَلَيسَ يغمُضُ طرفَهُ

لَيلاً ولا يَدَعُ المَحَاجِرَ تَغمُضُ

نُشِرَتْ لَهُ لَيلاً على عَذْبِ الحِمَى

حُلَلٌ تُذهَّبُ تارةً وتُفضَّضُ

أحْيَا الدُّجَى نَبْضاً وأَفْنَانِي فَمَا

أجْلَى سَنَاهُ وفيَّ عِرْقٌ ينبِضُ

وبمُنْحَنَى الجرْعَاءَ حَيٌّ ثَوَّرُوا

بالقَلْبِ سَائِرةَ الظُّعُونِ وأَرْبَضُوا

ولَقَدْ دعَوتُ ووجْهُ شَوقي مُقْبِلٌ

بِهِمُ ووجهُ الصَّبْرِ عنِّي مُعْرِضُ

رُدُّوهُ أَحْيَ بِرَدِّهِ أو فالحَقُوا

كُلِّي بِهِ فالحَيُّ لا يتَبعَّضُ

نَفُسُوا بِردِّهِمُ النَّفيسِ وعَوَّضُوا

عَنْهُ الأسَى بُعْداً لِمَا قَد عَوَّضُوا

لَمْ يألَفُوا كَنَفَ العَقِيقِ وإِنَّمَا

شَتُّوا بأَرْبَاعِ الضَّمِيرِ وقَيَّضُوا

يا صَاحِ هَلْ يَهَبُ التَّجلَّدَ وَاهِبٌ

أو تُقرِضُ السُّلْوانَ عنهُ مُقْرِضُ

وأبِي لَقَدْ عَزَّ العَزَاءُ وما بَقَى

بِيديَّ من سَيفِ التجلُّدِ مِقْبَضُ

أنْفَضْتُ من زَادِ السُّلُوِّ وما عَسَى

يبقَى عُقَيبَ نَفَادِ زَادٍ مُنْفِضُ


من شعر العصر الأندلسي

إنّ ابن حيوس شاعر أندلسي، وله العديد من القصائد، وفيما يلي قصيدته بعنوان (بنصرك يدرك الفتح المبين) والتي تتألف من 47 بيتًا[١٣]:

بِنَصرِكَ يُدرَكُ الفَتحُ المُبينُ

وَعِندَكَ يُؤمَنُ الزَمَنُ الخَؤونُ

وَجارُكَ ضِدُّ مالِكَ مُنذُ أَمّا

مَحَلَّكَ ذا تُعِزُّ وَذا تُهينُ

لَكَ العَرَضُ المُباحُ لِمَن بَغاهُ

مِنَ العافينَ وَالعِرضُ المَصونُ

وَإِقدامٌ تَبورُ بِهِ الأَعادي</span

وَإِنعامٌ تَقَرُّ بِهِ العُيونُ

تَحوزُ يَداكَ أَبكارَ المَعالي

وَيَأباها رِباؤُكَ وَهيَ عونُ

وَلَم تَطُلِ الوَرى حَتّى تَساوَت

سُهولُ المَجدِ عِندَكَ وَالحُزونُ

بِساحَتِكَ العَطايا وَالرَزايا

فَفي يَدِكَ الأَماني وَالمَنونُ

عَطايا إِن تَجاهَلَها حَسودٌ

فَعِندَ وُهيبٍ الخَبَرُ اليَقينُ

أَيادٍ جُدنَ سَحّاً وَهيَ بيضٌ

بِما يُعيي السَحائِبَ وَهيَ جونُ

وَصَلتَ بِها كَريمَ النَجرِ دارَت

عَلَيهِ لِلعَدُوِّ رَحىً طَحونُ

فَكُنتَ بِرَدِّ ثَروَتِهِ جَديراً

وَأَنتَ بِعَودِ عِزَّتِهِ قَمينُ

وَمِن بَعدِ الأُلوفِ مَنَحتَ كوماً

غَنِيٌّ مَن تُقِلُّ وَمَن تَمونُ

مُحَرَّمَةُ الغَوارِبِ ما عَلَتها ال

رِجالُ وَلا تَبَطَّنَها وَضينُ

وَلا حَكَّت لَها الأَقتابُ جِلداً

وَلا خَرَمَت مَناخِرَها البُرينُ

وَلَو مِن عِندِ غَيرِكَ يَبتَغيها

لَعَزَّت عِندَهُ العَنسُ الأَمونُ

مَتالٍ لَو يُعايِنُها جَريرٌ

دَرى أَنَّ اِبنَ مَروانٍ ضَنينُ

وَلَم يَذكُر هُنَيدَتَهُ حَياءً

وَعِندَ المِسكِ يُلغى الياسَمينُ

حَلَفتُ بِرَبِّ مَن صَلّى وَضَحّى

وَما ضَمِنَ المُحَصَّبُ وَالحَجونُ

فَمَهلاً فَالحَديثُ مِنَ التَعَدّي

سَيَخلَقُ وَالحَديثُ لَهُ شُجونُ

وَفي التَحكيمِ قَد رَضِيَت قُرَيشٌ

بِما لَم يَرضَ أَنزَعُها البَطينُ

وَعِندَ أَبي سَلامَةَ ما يُداوى

بِهِ إِن أَعجَزَ الطَبَّ الجُنونُ

عِتاقٌ لَيسَ يَسبِقُها طَريدٌ

وَسُمرٌ لا يُبِلُّ لَها طَعينُ

وَلَن تَنسى ضَغائِنَها قُلوبٌ

لِنيرانِ الحُقودِ بِها كُمونُ

وَلا تَرضى نُمَيرٌ وَهيَ حَيٌّ

لَقاحٌ لِلنَوائِبِ لا يَلينُ

كَأَنَّهُمُ وَقَد قُهِروا صَريحٌ

كَريمُ البَيتِ رَوَّعَهُ هَجينُ

وَما تُغني الصَوارِمُ وَالعَوالي

إِذا ما أَعوَزَ الرَأيُ الرَصينُ

وَلا تَحمي الدُروعُ وَما عَلاها

فَتىً لَم يَحمِهِ أَجَلٌ حَصينُ

وَلَولا الخُلفُ ما خافَت عِداها

لِإِلباسٍ وَلا خَفَّ القَطينُ

وَلا زَأَرَت عُبادَةُ بَعدَ صَمتٍ

زَئيراً سَوفَ يَتبَعُهُ أَنينُ

وَإِن تَبِعوا زَعيمَهُمُ وَنالوا

مَنالاً كُذِّبَت فيهِ الظُنونُ

فَما اِنعَطَفوا لَهُ إِلّا خِداعاً

كَما اِنعَطَفَت عَلى البَوِّ اللَبونُ

وَلَولا ظُلمُهُ اِشتَمَلوا عَلَيهِ

كَما اِشتَمَلَت عَلى الحَدَقِ الجُفونُ

وَأَعلَمُ أَن سَيَبدو ما أَسَرّوا

إِذا أَبدَت سَرائِرَها الجُفونُ

فَكَيفَ بِهِم إِذا سُلَّت سُيوفٌ

بِماضي حُكمِها تُقضى الدُيونُ

جَنى وَاِنصاعَ مُغتَرّاً بِفَتحٍ

أَعانَ عَلَيهِ مَن لا يَستَعينُ

وَناقَضَ مَن يَذودُ حُماةَ حَربٍ

وَلا تَخشى جَريرَتَهُ الظُعونُ

يُخافُ الحُرُّ وَالمَملوكُ فيكُم

وَيُرجى الطِفلُ مِنكُم وَالجَنينُ

فَلا عَدِمَت سَماءُ المَجدِ مِنكُم

شُموساً لا تُغَيِّبُها الدُجونُ

فَأَنتُم دَوحَةٌ طالَت وَطابَت

سَقى أَعراقَها كَرَمٌ وَدينُ

لَها في العامِ أَجمَعِهِ ثِمارٌ

وَفي أَعلى السَماءِ لَها غُصونُ

أَذا الشَرَفَينِ إِن أَعتَقتَ أَسري

فَشُكري بِالَّذي تولي رَهينُ

لَقَد كَثَّرتَ حُسّادي فَأَربَوا

عَلى حُسّادِ آدَمَ وَهوَ طينُ

دَنا فَصلُ الشِتاءِ وَلي عِداتٌ

نَداكَ المُستَفيضُ بِها قَمينُ

بِذاكَ شَهِدتُ حَتّى اِزدَدتُ مِنهُ

لِأَعلَمَ أَنَّكَ البَرُّ الأَمينُ

وَتَلبَسُني عَلى عَيبي فَعِندي

ثَناءٌ لا يَحولُ وَلا يَخونُ

يَزورُ ذَراكَ مِنهُ كُلَّ يَومٍ

غِناءٌ لَم تَدُر فيهِ اللُحونُ

وَلَو في غَيرِ بَحرِكَ غُصتُ عاماً

لَأَعوَزَ فيهِ ذا الدُرُّ الثَمينُ


من شعر العصر الحديث

من أهم شعراء العصر الحديث هو الشاعر والأديب الفلسطيني محمود درويش، وفيما يلي جزء من قصيدته (عاشق من فلسطين)[١٤]:

عيونِك شوكةٌ في القلبِ
توجعني... وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع... أُغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ
ويجعل حاضري غدُها
أعزَّ عليَّ من روحي
وأنسى، بعد حينٍ، في لقاء العين بالعينِ
بأنّا مرة كنّا، وراءَ الباب، اثنين!
كلامُكِ... كان أغنيهْ
وكنت أُحاول الإنشاد
ولكنَّ الشقاء أحاط بالشفة الربيعيَّة
كلامك، كالسنونو، طار من بيتي
فهاجر باب منزلنا، وعتبتنا الخريفيَّه
وراءك، حيث شاء الشوقُ
وانكسرت مرايانا
فصار الحزن ألفينِ
ولملمنا شظايا الصوت...
لم نتقن سوى مرثيَّة الوطنِ!
سنزرعها معاً في صدر جيتارِ
وفق سطوح نكبتنا، سنعرفها
لأقمارٍ مشوَّهةٍ...وأحجارِ
ولكنّي نسيتُ... نسيتُ... يا مجهولةَ الصوتِ:
رحيلك أصدأ الجيتار... أم صمتي؟!
رأيتُك أمسِ في الميناءْ
مسافرة بلا أهل... بلا زادِ
ركضتُ إليكِ كالأيتامُ ،
أسأل حكمة الأجداد:
لماذا تُسحبُ البيَّارة الخضراءْ
إلى سجن، إلى منفى، إلى ميناءْ
وتبقى، رغم رحلتها
ورغم روائح الأملاح والأشواق،
تبقى دائماً خضراء؟
وأكتب في مفكرتي:
أُحبُّ البرتقال . وأكرهُ الميناء
وأَردف في مفكرتي :
على الميناء
وقفتُ. وكانت الدنيا عيونَ شتاءْ
وقشر البرتقال لنا. وخلفي كانت الصحراء!
رأيتُكِ في جبال الشوك
راعيةً بلا أغنام
مطارَدةً، وفي الأطلال...
وكنت حديقتي، وأنا غريب الدّار
أدقُّ الباب يا قلبي
على قلبي
يقرم الباب والشبّاك والإسمنت والأحجار!
رأيتكِ في خوابي الماء والقمحِ
محطَّمةً. رأيتك في مقاهي الليل خادمةً
رأيتك في شعاع الدمع والجرحِ.
وأنتِ الرئة الأخرى بصدري
أنتِ أنتِ الصوتُ في شفتي
وأنتِ الماء، أنتِ النار!


المراجع

  1. عبد الرحمن بن معاضة الشهري (2/12/2019)، "نشأة الشعر "، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 11/12/2020. بتصرّف.
  2. "الشعر في العصر الجاهلي"، الألوكة الأدبية واللغوية، 26/1/2020، اطّلع عليه بتاريخ 12/12/2020. بتصرّف.
  3. سورة الشعراء، آية:224-226
  4. سورة الشعراء، آية:227
  5. ^ أ ب ت ث ج أستاذ فالح الحجية، كتاب الموجز في الشعر العربي، صفحة 138-135. بتصرّف.
  6. "تفسر قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ...}"، الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 13/12/2020. بتصرّف.
  7. "الشعر في العصر الأموي"، قصة الإسلام ، 19/4/2010، اطّلع عليه بتاريخ 12/12/2020. بتصرّف.
  8. "أجمل 6 قصائد من الشعر العربي هل.. تعرفها؟"، إدأربيا، اطّلع عليه بتاريخ 14/12/2020. بتصرّف.
  9. "امرؤ القيس » لمن طلل بين الجدية والجبل"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 14/12/2020. بتصرّف.
  10. "ألا يا سعد قد أظهرت شكا"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 17/1/2021. بتصرّف.
  11. "أذل الحرص والطمع الرقابا"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 14/12/2020. بتصرّف.
  12. "خذ في البكا إن الخليط مقوض"، ديوان ، اطّلع عليه بتاريخ 4/1/2021. بتصرّف.
  13. " بنصرك يدرك الفتح المبين"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 5/1/2021. بتصرّف.
  14. "عاشق من فلسطين"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 14/12/2020. بتصرّف.