شرح قصيدة من الغزل العذري

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٤٠ ، ٦ فبراير ٢٠٢٠
شرح قصيدة من الغزل العذري


الغزل في الشعر

يُعدُّ الشعر تاج الأدب العربيّ بفضل ما يتضمنّه من محسنات بديعيّة، فضلًا عن قوانينه الخاصّة وقوافيه وأوازنه، ولا يُغفل عن ألفاظه التي تحمل خبايا عديدة، وقد تنوعت أغراض الشعر العربي التي خط لها الشعراء قصائد وأبيات ومعلّقات جميلة؛ منها الفخر والغزل والهجاء والرثاء والوصف[١]، وفيما يتعلق بشعر الغزل؛ فقد قسمه المؤرخون إلى صنفين اثنين: الغزل الإباحي الذي يتّسم بفتور العاطفة وسرعة التحوّل، والمبالغة في وصف الجسد والمفاتن، وهو ما يعرف بالغزل الحسي أو الصريح أو الحضري، والثاني الغزل العذري الذي يُعد محور حديثنا في هذا المقال[٢].


مفهوم الغزل العذري

يُعرف الغزل العذريّ بالغزل البدويّ أو الغزل العفيف والمحتشم، وهو حافل بالشوق والحنين وقوة العاطفة، ونجد فيه أنّ الروح تشتاق للروح والعين تشتاق للعين، بعيدًا عن أوصاف الجسم والوصال الجسدي، على خلاف الغزل الإباحيّ الذي يدور حول الجسد والمفاتن، كما نجد فيه مفردات الاشتياق الروحيّ، وفداء الحبيب، وندب الفراق، وذكر محاسن المحبوب الميت، وبتعبير آخر فإنه وصف لخصال معنوية في الشخص الآخر دون التعريج على الوصف الجسدي لغايات جنسية، ومن أشهر أعلامه جميل بثينة، ومجنون ليلى، وقيس بن الملوح، وليلى الأخيلية، وحبيبة توبة بن حمير، وتجدر الإشارة إلى خطأ لغوي شائع يربط ما بين الغزل العذري وعذرية المحبوبة من منطلق أن حبيبها لم يدخل عليها ولم يرفع عنها سترًا، لكن حقيقة المصطلح جاءت من اسم قبيلة عُذرة أو عُذرى التي سكنت في وادي القرى قرب المدينة المنورة، واشتهر شعراؤها بالحبّ الملتزم، ومنهم الصحابي إبراهيم بن عبد الرحمن العذري[٢].


قصيدة من الغزل العذري

تُعدُّ قصيدة حب ووفاء للشاعر العباس بن الأحنف قصيدةً من الغزل العذريّ، وقبل إدراج أبياتها وشرحها لا بدّ من التعريف بصاحبها الذي اكتوى بنار الحب وذاق ألم الفراق؛ فهو العباس بن الأحنف بن الأسود الحنفي، الملقب بأبي الفضل، وولد في اليمامة في نجد ونسب إليها، فيما عاش في بغداد غنيًا مترفًا ثريًا، ولذلك نجد أنه انصرف عن المديح الذي كان يلجأ إليه الشعراء للكسب، وخط قصائد شعرية تسطر بماء الذهب في موضوع الغزل حتى شهد له البحتري بأنه أغزل الشعراء، وقصيدتنا المختارة ما هي إلا جزء من كل، وغيض من فيض، ونرى فيها لوعة الهوى في ظل انعدام الحول والقوة لدى العاشق؛ فليس بوسعه إلا أن يبعث المراسيل إلى ديار الحبيبة ويتصيد أخبارها، أما محبوبته فلا نعرف اسمها الحقيقي كونه لم يرد صريحًا، وأطلق عليها فوز كناية، فيما قالت الباحثة العراقية الدكتورة عاتكة الخزرجي أنها عُلية بنت المهدي أخت هارون الرشيد، وسماها الشاعر فوز لمكانتها العالية[٣].


أبيات قصيدة حب ووفاء

سندرج في هذه الفقرة أبيات القصيدة على مقاطع عدة مع شرح كل مقطع على حدة[٣]:

المقطع الأول

أَزَينَ نِسـاءِ العالَمينَ أَجيبي

دُعاءَ مَشــوقٍ بِالعِراقِ غَريبِ

كَتَـبتُ كِتابي ما أُقيمُ حُروفَهُ

لِشِدَّةِ إِعوالي وَ طولِ نَحــيبي

أَخُطُّ وَأَمحو ما خَطَطتُ بِعَبرَةٍ

تَسِحُّ عَلى القِرْطاسِ سَحَّ غُرُوبِ
  • الشرح: يخاطب الشاعر محبوبته التي تقيم في بلاد الحجاز واصفًا إياها بأجمل وأحلى نساء الكون، وطالبًا منها أن تجيب نداءه؛ فهو المتعلق المتلهف الذي أرهقه الهجر كونه بعيدًا عنها غريبًا في العراق، ويا لطول المسافة ما بين العراق والحجاز لا سيما في ذلك الوقت؛ إذ لم توجد وسائل اتصال، ثم يحكي لها عن اضطرابه بسبب البعد والنوى بينهما؛ فقد كتب لها رسائل حب كثيرة لكنها غير واضحة الحروف بسبب شدة البكاء الذي اجتاح قلبه وبصره؛ ممّا جعل يده ترتجف وترتعش فتعذرت الكتابة، ثم إنه بسبب دموعه التي انهمرت على القرطاس؛ أي الورق كأنّها الماء الذي يسيل من الدلو كنايةً عن غزارتها بما حالت دون وضوح الحروف أيضًا.


المقطع الثاني

أَيا فَوزُ لَو أَبصَرتِني ما عَرَفـتِني

لِطولِ شُجوني بَعدَكُم وَشُحوبي

وَأَنتِ مِنَ الدُنيا نَصيبي فَإِن أَمُت

فَلَيتَكِ مِن حورِ الجِنانِ نَصيبي

سَـأَحفَظُ ما قَد كانَ بَيني وَ بَينَكُم

وَأَرعاكُمُ في مَشهَدي وَ مَغيبي.


  • الشرح: ينادي الشاعر محبوبته التي سماها فوز حفاظًا على خصوصية العلاقة شارحًا لها عن حاله الذي صار إليه بسبب الهموم والشجون التي أصابته جرّاء فراقها، حتى أنّ وجهه بات شاحبًا على الدّوام غير مورد الخدين، ثم يخبرها في البيت التالي أنّها نصيبه من الدنيا متمنيًا في الوقت ذاته أن تكون نصيبه في الآخرة ودار الخلد أيضًا، وفي ذلك بيان لشدة الحبّ والتعلق لا سيما أنّه لم يكتفِ منها في الدنيا، علمًا أن أسلوب التمني الطلبي قد يكون ضربًا من المستحيل، لكن أيًا كان فهو سيظل محافظًا على عهد الوفاء والإخلاص لها مهما باعدت بينهما المسافة؛ فالحب في ديمومة والشوق كذلك ما دام حيًا وبغض النظر أكانت هي حاضرةً أم غائبةً، واستخدام الشاعر الفعل المضارع في قوله أرعاكم في مشهدي يدل على تجدد العهد واستمرار الاهتمام بها في كل وقت وحين، فيما استخدم كاف الخطاب لاستحضار صورة المحبوبة وكأنها حاضرة ماثلة أمامه متجاهلًا بعدها أو ناسيًا أو متناسيًا.


المقطع الثالث

فَإِن يَكُ حـالَ الناسُ بَيني وَبَينَكُم

فَإِنَّ الهَوى وَالوِدَّ غَيرُ مَشوبِ

فَلا ضَحِكَ الواشونَ يا فَوزُ بَعدَكُم

وَلا جَمَدَت عَينٌ جَرَت بِسُكوبِ.


  • الشرح: يؤكّد الشاعر لمحبوبته أن هواها وحُبّها محفور في قلبه إلى الأبد، وسيبقى حبًا نقيًا لا يشوبه -أيّ لا يعكره- الواشون النمامون من الناس مهما حاولوا وفصلوا بينهم، ثم يدعو عليهم في البيت التالي بالحزن كما أحزنوه ومحبوبته حتى تجري دموعهم دون توقف أو جمود، وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر لم يُوضّح في بيته الشعري مَن هم الواشون على وجه الدقة وذلك احتقارًا لهم وتقليلًا من قيمتهم.


المقطع الأخير

وَإِنّي لَأَسـتَهدي الرِياحَ سَـلامَكُم

إِذا أَقبَلَت مِن نَحوِكُم بِهُبوبِ

فَـأَسـأَلُها حَملَ السَـلامِ إِلَيكُمُ فَإِن

هِيَ يَوماً بَلَّـغَت فَأَجيبي

أَرى البَينَ يَشكوهُ المُحِبونَ كُلُّهُم

فَيا رَبُّ قَرِّب دارَ كُلِّ حَـبيبِ.


  • الشرح: يعودُ الشاعر في ختام قصيدته ليعبّر عن شوقه وحبّه لمحبوبته فوز؛ فهو يسألُ الرياح التي تجيء من ناحيتها إذا ما كانت تحمل له سلامًا مُهدًى منها، وفي ذلك استعارة مكنية فقد صور الشاعر الرياح إنسانًا يحمل السلام وينقله، طالبًا من الرياح أن تحمل سلامه العطر إلى المحبوبة، فإذا ما أوصلته لها فلترد عليه، وأمّا في البيت الأخير فيختم الشاعر بحكمة يقرّ فيها أنّ الفراق شرّ يصيب المحبين كلهم، داعيًا لهم بالقرب واللقاء وجمع الشمل.


المراجع

  1. Lolo Mohamed (21-7-2019)، "بحث حول أغراض الشعر العربي"، بحوث، اطّلع عليه بتاريخ 24-12-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "الغزل الفاحش أو الإباحي والغزل العذري في الشعر العربي"، المكتبة العامة، 23-2-2017، اطّلع عليه بتاريخ 24-12-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "حب ووفاء"، خيمة، اطّلع عليه بتاريخ 24-12-2019. بتصرّف.