خصائص الشعر العباسي

خصائص الشعر العباسي

العصر العباسي

لم يكن العصر العباسي يتعلق في انتقال الحكم من أيدي الأمويين لأيدي العباسيين، بل كان عبارة عن ثورة عباسية غيرت المجتمع الإسلامي تمامًا، وبالتحديد خلال الفترة الأولى من العصر العباسي، فقد وضع العباسيون نظامًا سريًّا للتخلص من الحركات العلوية ومن زعمائها، وكان للدولة العباسية طوران؛ الطور الأول بدأ في القرن الثاني هجري، وذلك بعد أن انضم لهم أبو مسلم الخراساني، وكانت الدعوة سرية، وقد نُظمت عدة دعوات في العراق، وخراسان؛ إلا أن السلطة الحاكمة طاردت الدعاة وقُتل بعض منهم، أما الطور الثاني فكانت بدايته بانضمام أبي مسلم، وانتهى في عام 132 للهجرة، وهو عام سقوط الخلافة الأموية، وقد صنعت الأعوام الأخيرة من الخلافة الأموية جذورًا قوية للخلافة العباسية[١].

تعدّدت مساهمات الدولة العباسية التي أدت لتقدم الأمة الإسلامية منها مشاركتها في تدفق البضائع من الصين للبلدان الإسلامية، وذلك بسبب علاقتها الوثيقة معها، وكانت للفتوحات الإسلامية نتائج مميزة؛ مثل فتح إقليم السند، كما دخلت السفن الإسلامية العربية لبلاد جنوب الصين وللهند؛ مما جعلها تصبح نقطة لتجمع السفن الآتية من منطقة الشرق الأقصى، بالإضافة لازدهار الدعوة الإسلامية في عدد من البلدان مثل الأندلس، والسند، والمغرب، ومصر، وإيران، وتركستان، وقد كان للدولة العباسية القدرة على إنشاء عدد من الأنظمة الإسلامية التي تسير على مبدأ الإمامة الخاصة بالدولة العباسية[٢].


الشعر في العصر العباسي

يعد الشعر من أكثر الأمور التي تتأثر بطبيعة الحياة، فيُمكن أن يتغير نهجه بالإيجاب أو السلب، وقد تغير الشعر وتطورت معانيه، وأصبح يحتوي على الطباق، والاستعارات، والتشبيه، والمحسنات البلاغية، وقد كان الشعر أحد أسباب قيام الدولة العباسية وسقوط الدولة الأموية، فقد كان الخلفاء العباسيون مهتمين بشكل كبير بالأدب، والشعر، وقد أغدقوا الكثير من المال على الأدباء والمفكرين، وذوي العقول الكثير، كما شجعوا على الترجمة للغات أخرى، وقد تطورت أساليب الشعر العباسي؛ بسبب اطلاعهم على الثقافات الأجنبية، ونمّى المدارك لديهم، بالإضافة لميلهم لاستخدام الكلمات المفهومة المأخوذة من واقع الحياة، عوضًا عن استخدام الكلمات البدوية أو الألفاظ الصعبة، وقد صاغ الشعراء العباسيون أشعارهم على ضوء ثقافتهم وحضارتهم، وطريقة تذوق الفنون الخاصة بهم؛ لذا كانت أشعارهم رقيقة، وذات تعبيرات مزخرفة وملونة، وطابع أنيق، وذلك ما ظهر في أبيات الشاعر العباسي بشار بن برد بقوله[٣]:

ومخضب رخص البنان

بكى عليَّ وما بكيته

يا منظرًا حسنًا رأيـت

بوجه جارية فديته

بعثت إليَّ تسموني

ثوب الشباب وقد طويته


خصائص الشعر العباسي

للشعر العباسي عدد من الخصائص التي ميزته عن الأشعار الأخرى، منها ما يلي:

الوقوف على الأطلال

كان طابع قصائد الأطلال طاغٍ بشكل كبير على القصائد الشعرية خلال الفترة الأولى من العصر العباسي، ولا سيما التغزل بالمحبوبة، أو مدح أحد الخلفاء العباسيين، وذلك لأن المقدمة التي تبدأ بالأطلال تكون ذات معنى عميق، وقد تمسك الشعراء البدو بنهج شعراء العصر الجاهلي القدامى، وذكروا الأطلال في أشعارهم، فقد ورد في مقدمة ابن ميادة قوله[٤]:

ألا حییا رسمًا بذي العش مقفرًا

أضر به حتى تنكر عهده

وربعًا بذي الممدور مستعجمًا قفرًا

حراجف یسفرن الرغام بها سفرًا


التحدث عن الطيف

يعد ذكر الطيف أو الخيال من الأمور المعروفة بالقصائد العربية، لا سيما عند كتابة مقدمة بالأطلال، وهو من الأمور التي تدل على إبداع الشاعر، ولهذا أبدع عدد من الشعراء العباسيين في كتابة مقدماتهم الشعرية، فقد قال مروان بن أبي حفصة في شعره[٤]:

طرقتك زائرة فحیي خیالها

قادت فؤادك فاستقاد ومثلها

بیضاء تخلط بالحیاء دلالها

قاد القلوب إلى الصبا فأمالها


التجرد

يتمثل التجرد بتجرد الشاعر عن نفسه وكأنه شخص آخر يتحدث معه، فيُمكن أن يناديه، أو أن يستوقفه بعدة عبارات مثل: قفا، وصاحبي، وخليلي، وهي من العبارات التي تستخدم بالعادة لبداية الشعر العباسي، كما أن كلمة خليلي كانت تستخدم من الشعراء الجاهليين، وذلك ما ورد في شعر الحسين بن مطير في قوله[٤]:

خلیلي مافي العیش عیب لو أننا

وجدنا لأیام الصبا من یعیدها


التجدد بالأساليب

تأثر أسلوب الشعر ولغته بالتطور الحضاري، والثقافي، والعمراني الذي ظهر بالدولة العباسية؛ مما جعل لغة الشعر تتسم باللين، والسلاسة، والسهولة، إلا أنه يوجد عدد من الألفاظ البدوية التي تحتاج إلى تفسير معناها، وقد اختلفت أساليب الشعراء؛ فمنهم من طبق أسلوبًا بعيدًا عن التصنع والتكلف مع الحفاظ على وحدة الموضوع، ومنهم من تقيد بأسلوب القدماء في كتابة قصائده، واستخدم الصور البدوية ولغة الشعر القديمة.[٥]


الأوزان والقوافي

يتميز الشعر العباسي بأنه فن جميل يشير لمشاعر الوجدان، وهو ذو تراكيب جميلة، ومقاطع منسجمة لها أثر موسيقي على الأذن، وقد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي أول من استخدم أوزان الشعر بالتراث الشعري، كما استخدمه أبو الحسن الأخمش، واستخدم وزنًا أطلق عليه اسم المتدارك، وقد استخدم الشعراء العباسيون الأوزان والتفعيلات الخاصة بها، وقد تصرف عدد من الشعراء بالأوزان المعروفة، وصنعوا أوزان تناسب أذواقهم، فمثلًا قال مطيع ابن إياس في أبياته الشعرية[٥]:

ويلي ممن جفاتي

وحبة قد يراني

وطيفة يلقاني

وشخصه غير داني

أغرُ كالبدر يعشي

بحسنه العيانِ


أبرز شعراء العصر العباسي

من أبرز وأهم شعراء العصر العباسي ما يلي:

  • أبو فراس الحمداني: ولد أبو فراس الحمداني في مدينة الموصل، ويحمل اسم الحارث بن سعيد بن حمدان، وكنيته هي أبو فراس، عاش في حلب، ودرس الفورسية والأدب، وقد رعاه سيف الدولة، وله عدة قصائد منها "صاحِبٌ لمّا أساء"، و"الشعر ديوان العرب"، و"أما لجميل عندكن ثواب"، وأسيف الهدى وقريع العرب[٦].
  • أبو تمام: ولد الحبيب بن أوس بن الحارث الطائي في قرية حوران السورية، وعاش في مصر ثم استقدمه المعتصم لمدينة بغداد، فأقام بها ثم عاش بالموصل لمدة عامين قبل أن توافيه المنية، وكان الشاعر أبو تمام أسمر البشرة، وفصيح القول، وحلو الكلام، ويحفظ عددًا من المقاطع والقصائد الشعرية، بالإضافة لأربعة عشر ألف أرجوزة من الأراجيز العربية، وقد اتسم شعره بالجزالة، والقوة، وهو من فحول الشعر، وله ديوان الحماسة وعدد من أشعار القبائل[٧].
  • المتنبي: هو أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، ولد في مدينة الكوفة في عام 303 للهجرة، وقتل بالقرب من مدينة النعمانية في عام 354 للهجرة، وهو من الشعراء الأغنياء عن التعريف، وقد كان مذمومًا، ومكروهًا من خصومه، واشتُهر بمدحه لعضد الدولة والملوك، وقد كان شعر المتني قويًا عبقريًا، وظهر هذا الأمر في هذه الأبيات الشعرية[٨]:

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ

فَلا تَقنَعْ بمــا دونَ النّجومِ

فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ

كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ


المراجع

  1. الدكتور محمد سهيل طقّوش، تاريخ الدولة العباسية (الطبعة الطيعة السابعة)، صفحة 18,21-24. بتصرّف.
  2. محمد الخضري بك (26-2-2015)، "تعريف الدّولة العبّاسيّة"، islamictory.blogspot، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  3. أستاذ/ فالح الحجية (12-3-2015)، "الشعر في العصر العباسي"، alnoor، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت مدنية خالد مساعد الزبير، الشعراء البدو في العصر العباسي، السودان: جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، صفحة 155-160. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ناظم رشيد، الأدب العربي المعاصر في العصر العباسي، صفحة 72, 83-85. بتصرّف.
  6. "معلومات عن أبو فراس الحمداني"، aldiwan، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  7. "نبذة حول أبو تمام"، adab، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  8. كريم مرزة الأسدي (8-1-2019)، "شعر المتنبي: قراءات نقدية خاطفة"، diwanalarab، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.