ذكرى وفاة النبي محمد

ذكرى وفاة النبي محمد

النبي محمد صلى الله عليه وسلم

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ولد نبي الهدى يتيمًا في صباح يوم الاثنين الموافق التاسع من ربيع الأول سنة 571 ميلادي من عام الفيل، وحسبما ورد في بعض الراويات فإن أمه آمنة بنت وهب لم يُصِبها في حملها ما يصيب النساء من تعب ومشقة، وحين ولدته في مكة المكرمة خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب حتى وصل هذا النور قصور بصرى في بلاد الشام، كما نشأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- في بيئة الجاهلية التي كانت منتشرةً في بلاد الجزيرة العربية، وأبرز ملامح هذه البيئة انتشار عبادة الأوتان والأصنام، فضلًا عن العادات الوضيعة والمذمومة مثل الزنى، وشرب الخمر، ووأد البنات تجنبًا للعار والفقر، والتعصب القبلي، وسفك الدماء، ورغم أن الرسول -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- ترعرع في ظل عادات الجاهلية؛ إلا أنّ الله حماه وحفظه من الوقوع بأي من المعاصي والمنكرات.

كان إرسال الأولاد إلى البادية ليتقن لسانهم اللغة العربية الفصحى منذ نعومة أظافرهم من العادات المنتشرة لدى العرب؛ إذ أُرسل سيدنا محمد إلى البادية، وتكفلت بإرضاعه حليمة السعدية، وقد نالت حليمة الخير الكبير منذ قدوم سيدنا محمد وتغير حالها من الفقر والقلة إلى الخير الكثير والوفير؛ إذ زاد إدرار الحليب في ثديها، وزاد نبات الأرض في المراعي، وزادت الأغنام لحمًا ولبنًا؛ فأدركت حليمة أن محمدًا ليس طفلًا كغيره؛ لذا أحبته حبًا شديدًا، وحرصت عليه، وتوقعت أن يكون ذا شأن عظيم في المستقبل، وعندما بلغ الرسول سن الست سنوات توفيت والدته، وكَفِله جده عبد المطلب، وبعد أن وافته المنية كفله عمه أبو طالب، كما عُرف النبي الكريم بين النَاس بصدقه وأمانته وإكرام ضيفه ومبادرته لمساعدة المحتاجين[١].


وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

توفي الرسول -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- في نفس اليوم الذي ولد به، وهو يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحادية عشرة للهجرة، وكان ذاك اليوم أقسى يوم في تاريخ الأمة الإسلامية؛ إذ روي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: (لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ- المدينةَ أضاءَ منْها كلّ شيءٍ؛ فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلّ شيءٍ، وما نفَضنا عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ الأيديَ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا) [صحيح ابن ماجه| خلاصة حكم المحدث: صحيح]؛ إذ عم الظلام والسواد في المدينة، وتصدعت قلوب المؤمنين من ألم الفراق، أما صحابة رسول الله فقد تفطرت قلوبهم وخفت عقولهم؛ فمنهم من أصبح الكلام يُنهكه مثل عثمان بن عفان، ومنهم من لازم الجلوس وأنهكه النهوض؛ فالمصيبة أذهبت بعقول الأشداء مثل عمر -رضي الله عنه-، ومنهم من لا يقوى على تحمل المصيبة الكبيرة؛ فمرض ومات مثل عبد الله بن أنيس، أما الصَديق أبو بكر فأظهر شجاعةً كبيرةً لأن الشجاعة هي ثبات القلب عند حلول المصائب العظيمة؛ فبعد أن تأكد من وفاة الرسول خرج على النَاس وقال: (أما بعد من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)، ثم تلى قوله تعالى: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] [آل عمران: 144]، وكان بلال بن رباح -رضي الله عنه- يؤذن بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقبل دفنه؛ فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ارتج المسجد بالبكاء والنحيب، ولما دُفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلام- التراب؟. فقد كانت وفاة سيد الخلق أعظم مصيبة شهدتها تلك الأمة؛ فكل المصائب مهما كبرت دونها[٢][٣].


وصايا الرسول قبل وفاته

لقد أوصى الرسول -عليه الصلاة والسلام- بعدة وصايا وهو في مرضه، وما أوصى الرسول بهذه الوصايا إلا لأهميتها وخوفًا من تفريط النَاس فيها أو غفلتهم عنها، وهنا يجب تذكير المسلم بالعمل فيها والمحافظة عليها، وفيما يلي سنذكر هذه الوصايا العظيمة[٤]:

  • الوصية بالصلاة؛ إذ أمر بتعظيم الله في الركوع، والدعاء في السجود ونهى عن القراءة فيهما، وتوصية الرسول بالصلاة دليل على عظم أمرها وعلو شأنها.
  • الوصية بإحسان الظن بالخالق؛ فقد روى جابر -رضي الله عنه- قال: (سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قَبْلَ مَوْتِهِ بثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يقولُ: لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهو يُحْسِنُ الظَّنَّ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [صحيح مسلم |خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • الوصية باستقبال الوفود وإكرامهم وحسن ضيافتهم سواء كانوا من الكفار أو المسلمين.
  • الوصية بالأنصار؛ لفضلهم بنصرة الرسول وإجابة دعوة الإسلام.
  • الوصية بإخراج المشركين من جزيرة العرب، والمقصود بذلك ألا يكون لهم سلطة أو نفوذ لإظهار دينهم وإقامة شعائرهم.
  • الوصية بالمماليك والإحسان إليهم على اختلاف فئاتهم وأصنافهم، وتتضمن الوصية المستضعفين منهم والعمال والخدم.


الاحتفال بذكرى ولادة النبي ووفاته

إن مجيء موعد مولد النبي مع موعد وفاته واحتفال الناس بطريقة خاطئة في هذا الموعد يحتاج إلى بعض التصحيح؛ إذ إن المناسبات الدينية يجب أن يكون الاحتفال بها قائمًا على أساس التقرب إلى الله وزيادة العبادات والصلة معه جل جلاله، واستغلال مثل هذه المناسبات لكسب الحسنات، حتى أنّ اجتماع الأقارب في هذا اليوم يعدّ وقوعًا في البدعة؛ إذ إنّ العديد من الناس يصنعون طعامًا خاصًا لتلك المناسبة، كما أن بعضهم يجتمع مع أصحابه لأجل قراءة سيرة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو لإعطاء المحاضرات الدينية، ولو كانت النية حسنةً فإنها لا تجعل للاجتماع شرعيةً، بل بدعة منكرة[٥].


من حياتكِ لكِ

خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- لحجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، وسُميت بذلك لأن النبي ودع فيها الناس قبل وفاته في العام الذي يليه، وتضمنت هذه الخطبة النبوية مجموعةً من الوصايا النافعة والمبادئ القيمة؛ لتكون بمثابة رؤية واضحة ونهج اجتماعي متوازن يراعي حقوق الفرد والجماعة، ومما جاء في هذه الخطبة العظيمة توصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمرأة وضمان حقوقها؛ ولعل أهم هذه الحقوق ما يلي[٦][٧]:

  • الرفق بالنساء: أوصى الرسول بالنساء على الملأ؛ وذلك لبيان قدر المرأة وأهميتها ومكانتها في المجتمع، وحث الرسول -صلى الله عليه وسلم- على معاشرتهن بالمعروف، واجتناب جميع النواهي في حقهن من عدم الظلم والإضرار بهن.
  • الحق في النفقة والكسوة: أوجب الإسلام نفقة الزوجة وكسوتها ومأكلها ومشربها، وإن كان الزوج بخيلًا أو مقصرًا في الإنفاق أجاز للمرأة أن تأخذ من أمواله على قدر حاجتها وحاجة أبنائها؛ لأن في امتناع الزوج عن النفقة مضرة لها ولأولادها.
  • الحق بتأمين بيت الزوجية: أوجب الإسلام الرجل بتأمين بيت الزوجية للزوجة لضمان الراحة والسكينة والاستقرار لها، وكي تحافظ على الخصوصية في بيتها.
  • الحق بطاعة الزوج: أوجب الشرع المرأة بطاعة زوجها وعدم الخروج عن أمره، وفي ذلك رعاية وعناية لها؛ لأن في ذلك ضمان استمرار العيش في حياة زوجية مستقرة وهادئة.


وصية الرسول بالنساء في حجة الوداع

روى الصحابي عمرو بن الأحوص أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حجة الوداع: (استَوصوا بالنِّساءِ خيرًا فإنَّهنَّ عندَكُم عَوانٍ ليسَ تملِكونَ منهنَّ شيئًا غيرَ ذلِكَ إلَّا أن يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ؛ فإن فَعلنَ فاهجُروهنَّ في المضاجِعِ واضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ، فإن أطعنَكُم فلا تَبغوا عليهنَّ سبيلًا إنَّ لَكُم مِن نسائِكُم حقًّا ولنسائِكُم عليكُم حقًّا؛ فأمَّا حقُّكم على نسائِكُم فلا يُوطِئْنَ فرُشَكُم من تَكْرَهونَ ولا يأذَنَّ في بيوتِكُم لمن تَكْرَهونَ، ألا وحقُّهنَّ عليكم أن تُحسِنوا إليهنَّ في كسوتِهِنَّ وطعامِهِنَّ) [صحيح ابن ماجه|خلاصة حكم المحدث: حسن].


المراجع

  1. إيهاب كمال أحمد (25-4-2013)، "مولد النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته ونشأته والعناية الإلهية قبل بعثته"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  2. "وفاة النبي صلى الله عليه وسلم "، islamweb، 18-7-2002، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  3. "حين أظلم كل شيء بالمدينة"، islamonline، 18-9-2019، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  4. الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل (21-3-2008)، "رحيل النبي عليه الصلاة والسلام"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  5. "حكم الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم من غير غناء ولا محرمات"، islamqa، اطّلع عليه بتاريخ 2-3-2020. بتصرّف.
  6. "السنة التي حصلت فيها حجة الوداع "، islamweb، 1-9-2002، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.
  7. د.أميرة بنت علي الصاعدي، "العناية بحقوق المرأة في خطبة الوداع "، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 11-12-2019. بتصرّف.