دروس وعبر من خطبة حجة الوداع

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٣١ ، ٢٤ يونيو ٢٠٢٠
دروس وعبر من خطبة حجة الوداع

حجة الوداع

الحجُّ فريضة عظيمة يجتمع فيه المسلمون من كل بقاع الدنيا، لعبادة الله، والرغبة في الأجر والثواب، وتكفير الذنوب، والعودة إلى الله سبحانه وتعالى، وقد استثمر رسول الله عليه الصلاة والسلام فُرصة تجمع المسلمين في حَجَّته الوحيدة التي حَجَّها في الإسلام؛ ليعلّمهم أمور دينهم، وما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وقد كانت خطبته خطبة عظيمة، لم يعرف التّاريخ مثلها، ولا أفصحَ منها، والتي عُرفت بخطبة "حجة الوداع"، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وقد ألقاها النبيّ صلى الله عليه وسلم بين يدي صحابته الكرام يوم عرفة، وفي منى يوم النحر، وكان قد أعلن للناس عزمه للحج فاجتمع أكثر من مائة وأربعين ألفًا بين يديه، فأمرهم أن يأخذوا عنه مناسك الحج، فعن جرير بن عبدالله قال: قالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) ثُمَّ قالَ: (لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، فعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي رضي الله عنه قال: (خطبَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونَحنُ بمنًى فَفُتِحَتْ أسماعُنا حتَّى كنَّا نسمَعُ ما يقولُ ونحنُ في مَنازلِنا فطفقَ يعلِّمُهُم مَناسِكَهُم حتَّى بلغَ الجِمارَ فوضعَ أصبُعَيْهِ السَّبَّابتينِ ثمَّ قالَ بحَصى الخَذفِ ثمَّ أمرَ المُهاجرينَ فنزلوا في مقدَّمِ المسجِدِ وأمرَ الأنصارَ فنزَلوا من وراءِ المسجدِ ثمَّ نزلَ النَّاسُ بعدَ ذلِكَ) [صحيح أبي داود| خلاصة حكم المحدث: صحيح ][١][٢].


متى كانت خطبة حجة الوداع؟

عندما أتمَّ الرسولُ عليه الله الصلاة والسلام إبلاغ رسالته، وفُتحت مكَّة، ودَخَلَ الناس في دينِ الله أفواجًا، فرَضَ الله سبحانه وتعالى الحجَّ على عباده في أواخر السنة التاسعة للهجرة، فأعلن النبيّ عليه الصلاة والسلام عن عزمِه لأداء فريضة الحج، وحين سمع الناس بذلك، جاء كثير منهم إلى المدينة؛ يريدون أن يحجوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في الخامسِ والعشرين مِن ذي القِعدة في السنة العاشرة من الهجرة، وكان ذلك بعد الظهر.


كيف أدّى الرسول حجة الوداع؟

انطلق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن بلغ ذي الحليفة، فاغتسل وتطيّب لإحرامه، ولبسَ رداءَه وإزارَه، وقلد بدنَه، ثم أَهَلَّ بالحجِّ والعمرةِ وقرَن بينهما، وتابع سيره وهو يلبِّي ويقول: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لكَ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وعندما اقترب من مكّة، نزَل بذي طوى، وبات ليلةَ الأحدِ بها، مِنَ اليوم الرّابع من ذي الحجّة، وصلَّى بها الصبح، ثم اغتسل عليه الصلاة والسلام، ودخَلَ مكّة من أَعلاها نهارًا، وحين دخَلَ المسجد الحرام طافَ بالبيتِ، ثم سَعَى بين الصَّفا والمَروة، ولم يحلّ مِن إحرامِه، فقد كان عليه الصلاة والسلام قارنًا، وقَد ساقَ الهدي معه، وقد أمَرَ مَنْ لم يَكن معه هدي من أصحابِه أنْ يجعلوا إحرامَهم عُمرة، فيطُوفوا بالبيتِ ثم بين الصَّفا والمروة، وأن يحلوا مِن إحرامهم بعدها، وأقَامَ الرسول عليه الصلاة والسلام مع أصحابِه بمكة أربعةَ أيامٍ من يومِ الأحد إلى يومِ الأربعاء.

وفي يومِ الخميسِ -الثامن من ذي الحجة- عند الضحى توجَّه النبيّ عليه الصلاة والسلام ومن معه من المسلمين إلى مِنى، وصلَّى بها الظهر والعَصر والمغرب والعِشاء والفَجر، ومكث عليه الصلاة والسلام حتى طلعت الشمس، ثم أَمَر بقبّة من شعر تُضرب له في نَمرة، وهو مكان بجانب عرفات وليس من عرفات، ثمّ سار الرسول عليه الصلاة والسلام حتّى وصل نمرة ونزل بها، وحين زالت الشمس أمرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقصواء فركبها، ووصل بطنَ الوادي، فاجتمع حوله آلاف من الناس، فخطب فيهم خطبةً جامعة وذكر عليه الصلاة والسلام فيهَا قواعد الإسلام، وأصول الدين، ومما قاله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ علَيْكُم، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شيءٍ مِن أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِن دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ، كانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ، فإنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عليهنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ علَيْكُم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمَعروفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ به، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ: بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ اللَّهُمَّ، اشْهَدْ، اللَّهُمَّ، اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ثمّ أذَّن المؤذن وأقامَ، فصلَّى بالناس الظهر، ثم أقامَ وصلّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم رَكِب النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أن وصل موقف عرفات، فاستقبل القِبلَة، وظلّ واقفًا حتى غربت الشّمس، وهنالك أُنزل عليه قول الله سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ } [المائدة: 3].

وحين غربت الشّمس أفاض النبيّ عليه الصلاة والسلام من عرفات، وأركب أسامة بِن زيد خلفه، ودفَعَ الرسول صلّى الله عليه وسلم، ثم أتَى المُزدلِفةَ، فنَزل بها فجَمَعَ بين الصَّلاتَينِ: المغرب، و العشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يصلِّ بينهما شيئًا، ثم نام حتى أصبح، وعند طلوع الفجر صلاّها في أوّل الوقت، ثم ركب، إلى أن وصل المشعر الحرام، وهو مكان في المزدلفة، فاستقبل القبلة، ودعا الله عزّ وجلّ وكبّره وهلّله ووحّده، وظلَّ واقفًا حتى أسفرَ الصبحُ وانتشرَ ضوؤه، فدفع إلى مِنى قبل أن تطلعَ الشمس، وهو يُلبِّي ولا يقطعُ التلبية، وأمر عليه الصلاة والسلام ابن عباس أن يلتقطَ لهُ حصى الجِمار سبعَ حصيات، وحين وصل مِنى رمى جمرة العَقبة راكبًا بسبع حصيات، وكان يكبّر مع كل حصاة ، ثم خطبَ الناسَ خطبةً بليغةً تحدّث فيها عن فضل يوم النحر، وحرمته عند الله وحرمة مكّة على غيرها، وأمر الناس بالسّمع والطّاعة، وأن يأخذوا مناسكَهم عنه عليه الصلاة والسلام، وأَن يبلغوا عنه، ونهاهم عن الرجوع بعدَه كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض، ثم انصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المنحر، ثم نحر ثلاثًا وستين بَدنة بيدِه، ثم أمر عليًّا أن ينحَر ما بقي من المائة، وحين أكملَ عليه الصلاة والسلام النّحر استدعَى الحلَّاق فحلَق رأسه، ثم قسَّم شعرَه بين الناس.

ثم أفاضَ النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى مكة راكبًا، وطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلّى الظهر، ورجع إلى مِنى في اليوم نفسه، وبات بها، وحين أصبحَ انتظر حتى زوال الشمس، وحين دخل وقت الظهر أتى الجمرات، وبدأ بالجمرة الصَّغرى فالوسطى فجمرة العقبة، وكان يرمي كل جمرة بسبع حصيات، ويكبّر مع كل حصَاة، وقد فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك في بقية أيام التشريق، ثم أقام أيام التشريق بمنى؛ ليؤدي المناسك، ويعلّم الشرائع، ويقيم التوحيد، ويذكُر الله، ويمحو معالم الشِّرك، ثم نَفَر عليه الصلاة والسلام من منى، في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فنزل بخيف بني كنانة مِن الأَبطح، وأقام فيه بقية اليوم والليلة، ثم صلَّى الظهر والعَصر والمَغرب والعِشاء، ونَامَ نومةً خفيفة، ثم ركبَ إلى البيت، وطافَ به طوَاف الوداع، ثم توجه راجعًا إلى المدينة، وقضى الرسول عليه الصلاة والسلام حجّه، بعد أن بيّن المناسك للمسلمين، وما فرضه الله عليهم في الحج، وما حرَّم عليهم، فكانت حجة الإِسلام، وحجة البلاغ، وحجّة الوَداع، وبعدها بأشهر وافاه الأجل عليه صلوات الله وسلامه إلى يومِ الدِّين[٣].


دروس وعبر من خطبة حجة الوداع

من الدروس والعبر المستفادة من خطبة حجة الوداع ما يلي[٤]:

  • بيان النبيّ صلى الله عليه وسلم لحُرمة الأموال والدماء، وأنها تُساوي حرمة اليوم والشهر والبلد، أي حرمة مكّة والبيت الحرام، وشهر ذي الحجَّة، وهي حرمة عظيمة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، أي أن قتْل النفس بغير حقٍّ محرّم في الكتاب والسنة، ويقول سبحانه وتعالى: { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ } [الأنعام: 151].
  • إبطال أمور الجاهليّة، فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنَّ كلَّ شيءٍ مِن أمرِ الجاهليَّةِ مَوضوعٌ تحتَ قدميَّ هاتَينِ) [صحيح ابن ماجه| خلاصة حكم المحدث: صحيح ]، ويقصد أمور الجاهليَّة مثل: الكِبر، والبطَر، والوأد، وأكل الربا، والقتل، والعنصرية للّون أو القبيلة.
  • وجوب المعاملة الحسنة مع النساء، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: (اتَّقوا اللَّهَ في النِّساءِ فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ واستَحللتُم فروجَهنَّ بِكلمةِ اللَّهِ) [صحيح ابن ماجه| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وهذا يعني تأدية حقوق النساء، وتقوى الله فيهن، والإحسان إليهن، فعلى الأزواج إطعامهن، وكسوتهنَ، ومعاشرتهن بالمعروف، كما قال الله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام خير الناس لأهلِه، وهو القدوة والأسوة.
  • ضرورة التمسك بالقرآن والسنة، ففيه النجاة من كل شر، فإن أراد المسلمون الثبات على الدين، عليهم الاعتصام بالقرآن والسنَّة، لنيل سعادة الدارَين.
  • دلالة أن الله سبحانه وتعالى في السماء، فحين انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم من خطبته، قال للصحابة: (فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ: بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ اللَّهُمَّ، اشْهَدْ، اللَّهُمَّ، اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وشهادة الصَّحابة بأداء النبي صلى الله عليه وسلم للأمانة، وكذلك يشهد كل المسلمين بأنّه صلوات الله عليه قد أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصَح الأمة، وكشَفَ الله به الغمَّة.


المراجع

  1. د. محمد ويلالي (24/1/2010)، "خطبة حجة الوداع"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 21/6/2020. بتصرّف.
  2. عبد الله بن عبد العزيز العقيل (6/8/2015)، "حجة الوداع "، islamway، اطّلع عليه بتاريخ 21/6/2020. بتصرّف.
  3. فريق الإسلام ويب (21/12/2005)، "حجة الوداع"، islamweb، اطّلع عليه بتاريخ 21/6/2020. بتصرّف.
  4. الشيخ علي رمضان علي السيد (18/10/2012)، "الدروس المستفادة من خطبة النبي في حجة الوداع "، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 21/6/2020. بتصرّف.