ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب

ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب

نص الحديث الشريف وشرحه

روى أبو الدرداء الأنصاري- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ، إلَّا قالَ المَلَكُ: وَلَكَ بمِثْلٍ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وفي الحديث وصية نبوية جميلة، وحث على إحسان المؤمنين بعضهم إلى بعض عبر الدعاء؛ فكلما دعا عبد مسلم لأخيه في الله في غيبه وسره، وكّل الله له ملكًا ليقول ولك أيها الداعي بمثل ما دعوت لأخيك، وتجدر الإشارة إلى أن الدعوة في غياب صاحبها أبلغ في الإخلاص؛ لأنها بعيدةً عن الرياء والمجاملة، أو النية في نيل شرف أو مكانة ما دنيوية[١].


مكانة الدعاء في الإسلام

يعد الدعاء في الدين الإسلامي عبادة وعملًا صالحًا يؤجر عليه المسلم، كما أنه باب من أبواب النجاة، وسلم للوصول، يمكن عبره دفع البلاء، واستجلاب النعم، وتحقيق الأماني ودرء المخاوف، وعليه لا يمكن للمسلم أن يستغني عنه بحال من الأحوال، بل إن تركه استكبار عن عبادة الله، وضعف توكل، وسوء تفويض، فمن غير الله أحسن وكيلًا للعبد، ومَن منا خير من الأنبياء الأخيار الذين كانوا يستعينون بالله في كل أمور دينهم ودنياهم، ومما يحثنا على الدعاء هو أنه أنفع الأدوية في ما نزل من البلاء وما لم ينزل، ناهيك عن لذة مناجاة الله والحاجة إليه، فتزول الهموم وتنشرح الصدور وتسير الأمور على قدم وساق بإذنه جل في علاه.


وتجدر الإشارة إلى أن الدعاء أكرم شيء على الله، فهو- جل وعلا- حيي كريم لا يردّ يدين صفرًا خائبتين، بل إن ثماره مضمونه وسهامه صائبة وسيصل خيره عاجلًا أم آجلًا، وفي هذا المقام روى أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- عن رسول الله أنه قال: (ما من مسلِمٍ يَدعو، ليسَ بإثمٍ و لا بِقطيعةِ رَحِمٍ إلَّا أَعطَاه إِحدَى ثلاثٍ: إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوَتَهُ، وإمَّا أن يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ، وإمَّا أن يَدْفَعَ عنهُ من السُّوءِ مِثْلَها، قال: إذًا نُكثِرَ، قالَ: اللهُ أَكثَرُ) [رواه الألباني| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ومن الحديث نستنتج أنه ما من مسلم أجرى الله على لسانه دعاءً إلا وفقه إليه توفيقًا، وأراد به خيرًا كثيرًا، وما عليه إلا الثقة بالله وعدم الاستعجال وطيب الدعوة فلا يكون فيها حرام أو قطيعة رحم أو ما شابه، علمًا أن أشكال الإجابة تتمثل في ما يلي[٢][٣]:

  • تحقيق الدعاء كما طلبه العبد، كأن يقول أرجو يا رب أن توفقي في نيل وظيفة كذا، فيحقق مراده، ويظفر برجائه مثلما تمنى ودعا تمامًا، وهذا يشكل دفع البلاء كأن يقول رب اشفني وعافني، فيرد الله عليه صحته وتمام عافيته.
  • تأخير الدعوة إلى يوم القيامة، فتغدو أجرًا عظيمًا من الحسنات، وبها تعلو درجات المسلم في الجنة فيرتقي ويرتقي، أو تمحو عنه السيئات والآثام فينجو من العقاب، بل إنه قد يدخل الجنة دون عذاب.
  • دفع السوء أو الشر عن المسلم، كأن يكون مكتوبًا للعبد أن يصاب بحادث سير على سبيل المثال، فينجو بأعجوبة بفضل دعائه، وفي رواية أن يكفّر الله عنه ذنوبًا بقدر ما دعا.


آداب الدعاء وأسباب الإجابة

ينبغي للمسلم أن يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الأمور التي من شأنها أن تجعل دعاءه أقرب للاستجابة، ومنها[٤]:

  • إخلاص النية لله جل وعلا، فلكل امرئ ما نوى، وقبول أي عمل منوط بحسن نيته، فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله مراءاة للناس، أو تفاخرًا بينهم ليقال كذا وكذا؛ فينال صيتًا حسنًا بينهم باعتباره العابد والورع والتقي.
  • استفتاح الدعاء بحمد الله وشكره على عظيم منّه، وكل نعمه الظاهرة والباطنة، ثم الصلاة على النبي المختار- صلى الله عليه وسلم- ويختم بذلك أيضًا بعد الانتهاء من حاجاته.
  • اليقين التام بالإجابة، وهذا من حسن الظن بالله فهو أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة فيما يراه خير لنا، فلا يجوز للمسلم أن يدعو بدافع السؤال العابر فإذا استجاب الله فهو حسن، وإن لم ينفع الدعاء فلا يضر.
  • الإلحاح وتكرار الدعاء في كل وقت وحين، ويستحب الدعاء ثلاثًا في كل مرة، ومن الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء شهر رمضان المبارك وخاصة ليلة القدر منه، ويوم عرفة الذي يسبق عيد الأضحى، وفي الفترة الممتدة ما بين الأذان والإقامة، وعند نزول الغيث، وعند سماع صياح الديك، وفي دبر كل صلاة مكتوبة، وفي جوف الليل خاصة الثلث الأخير منه؛ إذ ينزل الله -جل وعلا- إلى السماء الدنيا في كل ليلة، وبعد الرفع من الركوع في الصلاة، وفي السجود إذ يكون العبد أقرب ما يكون إلى ربه، وعند شرب ماء زمزم، كما أن دعاء الحاج والمعتمر والمريض والغازي أو المجاهد في سبيل الله مستجاب بإذنه تعالى.
  • حضور القلب؛ فالله لا يستجيب من عبد لاهٍ يدعو بلسانه وقلبه غائب، وفكره مشغول في أمور أخرى.
  • الترفع عن سؤال الناس، والإخلاص لله وحده- جل وعلا- في مسألة الدعاء، فهو المالك لكل ما بين السماء والأرض بأمره، وأمره بين الكاف والنون فإذا أراد للشيء أن يكون إنما يقول له كن فيكون.
  • الدعاء في الرخاء والشدة؛ فمن عرف الله في الرخاء عرفه في الشدة.
  • خفض الصوت؛ فلا يجوز الصياح أو الصراخ لأن الله قريب يسمع النداء، ويعرف ما تخفي الصدور وما تعلن.
  • البعد عن المعاصي والذنوب، مقابل الإكثار من الأعمال الصالحة ما ظهر منها وما بطن، ومن أعظم ما يقرب العبد من ربه أداء النوافل بعد الفرائض.
  • التوبة ورد المظالم إلى أهلها فيما يتعلق بحقوق العبادة، فالله طيب لا يرضى إلا بالطيب، وعليه فإن المأكل الحرام والملبس الحرام والغذاء الحرام من دواعي عدم الإجابة.


فوائد الدعاء للمسلم في ظهر الغيب

مما لا شك فيه أن الدين الإسلامي دين ألفة ومحبة وتآخٍ، يسعى في كل مبادئه لتحسين الروابط بين أفراد المجتمع الواحد، فيدعو كل واحد منهم للاهتمام بمشاعر الآخر، ومد يد العون له ما أمكن، وعليه فإن الدعاء الصالح وسيلة من وسائل إغاثة الملهوف لا سيما في ظل انقطاع الرجاء والأمل إلا من الله، فدعاء المسلم لأخيه ينفع الطرفين معًا، ويزيل الحقد في القلوب فيجعلها سليمة نقية، فضلًا عن تطبيق سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ضرب مثلًا للمؤمنين في توادّهم وتراحمهم كالجسد الواحد، كما أنه تجسيد هام لأصل هام في الملة والعقيدة وهو الاتحاد الروحي الذي بعث الله به الرسل وأنزل الكتب[٥][٦].

المراجع

  1. "الموسوعة الحديثية"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  2. "الدعاء سلاح المؤمن"، طريق الإسلام، 29-5-2016، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  3. "الموسوعة الحديثية"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  4. عبد الله الجبرين، "الدعاء فضله وآدابه"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  5. "باب فضل الدعاء بظهر الغيب"، الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  6. "الدعاء بظهر الغيب"، شبكة الألوكة، 16-7-2015، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.