فوائد الدعاء في السجود

فوائد الدعاء في السجود

الدعاء في السجود

الدعاء مظهر من مظاهر العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى والرغبة إليه في قضاء الحوائج، فهو نوع من أنواع العبادة القوليّة، ويُعدّ مخ العبادة؛ إذ يتخلى فيها المسلم عن حوله وقوته بتفويض أمره الى الله لدفع الضر عنه وجلب النفع اليه، وأمر الله سبحانه وتعالى عباده بالدعاء في مواضع كثيرة في القرآن بصيغ وأساليب متعددة، ومنها قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة: 186)، كما وعد الله عز وجل عباده بإجابة الدعاء، لقوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر: 60)، وهذه نعمة ومنة عظمى من الله عز وجل على الإنسان؛ إذ يجب على المسلم السعي دومًا إلى الاقتراب من الله، ويُعدّ السجود من الحالات التي يكون فيها المسلم أكثر قربًا من الله، كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].

كما حثّ رسول الله المسلمين على الإكثار من الدعاء في وضع السجود؛ إذ فسّر ذلك بشدة قرب العبد من ربه في السجود، وأن الدعاء في مواضع السجود أقرب لتحقيق الإجابة، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: (كَشَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم السِّتَارَةَ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ومعنى قَمِنٌ أن يُستجاب لكم أنه أحرى وأجدر أن تتحقَّق الإجابة، ويجب على المسلم استغلال السجود في الدعاء بما فيه خير له في الدنيا والآخرة[١][٢].


فوائد الدعاء في السجود

يُعدّ السجود انطراحًا بين يدي لله الجبّار، وتذللًا لله القهار، وهروبًا من أسْر الدنيا و قيود الطاغوت إلى رحمة الله وسعة فضله، فالسجود أوسع للروح من الدنيا وما فيها؛ إذ إنّه روضة خاصة إذا دخلها القلب لا يخرج منها أبدًا؛ لما فيها ما لا يُوصف من اللذة والانشراح للعبد، والدعاء في السجود من مواطن الإجابة والقرب من الله، ونذكر هنا بعض فوائد الدعاء في السجود في الدنيا والآخرة،ومنها[٣]:

  • السجود والدعاء فيه ترفع درجات المسلم عند الله؛ إذ إنّه أكثر المواضع قُربًا من الله عز وجل، فبكل سجدة مؤمنةٍ مطمئنةٍ يرتفع المسلم درجة، فعن ثوبان مولى رسول الله أن الرسول -عليه السلام- قال :(عَلَيْكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فإنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بهَا دَرَجَةً، وحَطَّ عَنْكَ بهَا خَطِيئَةً.) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • السجود من أعظم المؤهلات لدخول الجنة والنجاة من النار، والحصول على رضا الله تعالى، ومُرافقة النبي في الجنة.
  • السجود يُفرّج الهم، ويُنفس الكرب ويشرح الصدر، ويُثبّت الإيمان في القلب، فالمسلم يستعين بالسجود والدعاء فيه على قضاء حوائج الدنيا والآخرة، لقوله تعالى:{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ} (الحجر: 97-98).
  • السجود موضع استجابة الدعاء الأكبر والأعظم في الصلاة وذلك لقرب العبد من الله فيه.
  • السجود وإطالته بالدعاء فيه تذكير للعبد بالبداية والنهاية؛ إذ إنّ تمريغ الجباه بغية رضوان الله في التراب الذي منه خُلق واليه يعود يُذكّر العباد بالموت والبعث والنشر والحساب.
  • السجود مراغمة للشيطان وطاعة لله، إذ إنّ الفرق بين الانسان والشيطان هو السجود لله؛ إذ أبى الشيطان السجود لله فطُرد ودُحر من رحمة الله وكان جُزاؤه النار خالدًا فيها.
  • السجود وإطالته بالدعاء يذكر العبد بمقام الدنيا من الآخرة؛ إذ إنّ السجود يُركز نظر العبد في رقعة صغيرة من الأرض، وبالتالي فهو صارف عن الدنيا ومفاتنها، ومُذكر لتعليق القلب بالله وإخلاص النية له، ومُرطب اللسان بكثرة الذكر.
  • السجود وإطالته بالدعاء والتضرع الى الله يُحرّم آثاره عن النار؛ إذ حرّم الله عز وجل على النّار مواضع السجود.


أدعية وأذكار تقال في السجود

يُعدّ السجود غاية التواضع وأقصى درجات العبودية لله تعالى؛ إذ إنّه من أجل وأصدق مظاهر التذلل والإذعان لله عز وجل، وفيه تمكين لأعز أعضاء الإنسان وهو الوجه من التراب الذي يُداس ويُمتهن بُغية التقرب إلى الله، والسجود من أفضل الأوقات المحببة للدعاء، وأفضل ما يُقال في السجود هو الأدعية المأثورة لما تضمنته من جوامع الكلم، ولما في ذلك من الاتباع للنبي -صلى الله عليه وسلم-[٣]، وقد وردت عن النبي عليه السلام أدعية كثيرة في السجود، نذكر منها ما يلي[٤]:

  • عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ.) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلَائِكَةِ والرُّوحِ)[صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أَنَّ الرَسُولَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا سَجَدَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.) [صحيح النسائي| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ ليلةً فاستاك ثم توضأَ ثم قام يُصلِّي ، فقمتُ معهُ ، فبدأ فاستفتح البقرةَ ، فلا يمرُّ بآيةِ رحمةٍ إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآيةِ عذابٍ إلا وقف فتعوَّذَ، ثم ركع، فمكث راكعًا بقدْرِ قيامِه، ويقول في ركوعِه: سبحان ذي الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمةِ، ثم سجد بقدْرِ ركوعِه، ويقول في سجودِه: سبحان ذي الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمةِ، ثم قرأ (آلِ عمرانَ) ثم سورةً سورةً ، يفعلُ مثلَ ذلك [مختصر الشمائل| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أنَّ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- كانَ يقولُ في سُجُودِهِ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ، وجِلَّهُ، وأَوَّلَهُ وآخِرَهُ وعَلانِيَتَهُ وسِرَّهُ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: (اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: ...فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ فِي سُجُودِهِ: (اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، أَوْ قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ، فَطَلَبْتُهُ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) [صحيح النسائي| خلاصة حكم المحدث: صحيح].


ما أثر دعائكِ لأبنائكِ؟

إن دعائكِ لأبنائكِ من أعظم الأسباب التي تؤدي لصلاحهم، لذا فمن المهم أن تُلحّي بالدعاء لهم، إذ يقول الله تعالى في ذلك: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [سورة الفرقان: 74]، كما أن دعائكِ لهم من سنن الأنبياء والمرسلين على مرّ التاريخ، بما في ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام، وفي ذلك يقول تعالى {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، لذلك من الواجب أن تُكثري من الدعاء لهم بالخير، والفلاح، كما تجنّبي الدعاء عليهم، إذ من الممكن أن يوافق ذلك ساعة استجابة، هذا والله أعلى وأعلم.[٥]


المراجع

  1. أ.د. راغب السرجاني (18-9-2014)، "سُنَّة الدعاء في السجود"، islamstory، اطّلع عليه بتاريخ 18-12-2019. بتصرّف.
  2. لأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي، "أهميته وآدابه وآثاره"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 18-12-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب أمير بن محمد المدري، "من رسائل الإيمان (31) السجود بستان العابدين "، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 18-12-2019. بتصرّف.
  4. الشيخ طارق عاطف حجازي (17-8-2014)، "ما يقول المسلم في السجود"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 18-12-2019. بتصرّف.
  5. "أثر الدعاء في صلاح الأبناء"، islamway، اطّلع عليه بتاريخ 27-11-2019. بتصرّف.