ما الفرق بين التوبة والاستغفار

ما الفرق بين التوبة والاستغفار

التوبة والاستغفار

مما حبا الله به عباده المسلمين أنّه قبل منهم التوبة والاستغفار ليتجاوز عن المسيئين منهم، الأمر الذي نراه جليًّا في الكثير من الآيات الكريمة، ولم يقف العطاء الإلهي عند القبول فحسب، بل تعدى ذلك لتكون التوبة والاستغفار من أعظم ما يُثاب عليه المسلم، ولعل الذنب والخطأ من سجيّة بني آدم منذ بدء الخليقة البشرية، ولذلك أمر الله تعالى في كتابه الكريم أن لا ييأس المذنب من رحمة ربّه، إذ قال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].


ولمّا كانت التوبة من عظيم الأعمال كان فرح الله عز وجل بتوبة عبده أشد من العبد نفسه، ومصداق ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيفَ تَقُولونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ انْفَلَتَتْ منه رَاحِلَتُهُ، تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ ليسَ بِهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا له طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حتَّى شَقَّ عليه، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟ قُلْنَا: شَدِيدًا، يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَما وَاللَّهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ولعل مما يُشكل على البعض ورود التوبة والاستغفار بلفظين مختلفين بالرغم من أنهما يسيران في الاتجاه ذاته، مما يجعل البعض يتساءل عن الفرق بينهما، وهذا مدار حديثنا في هذا المقال.[١]


الفرق بين التوبة والاستغفار

بالحديث عن الفرق بين التوبة والاستغفار فلا بد من تبيان معنى كل منهما، فالتوبة تعني الندم الشديد على الذنب والمعصية والعزم على تركها والابتعاد عنها إلى الأبد، أما الاستغفار فمن الممكن أن يرقى إلى مرتبة التوبة وربما لا يرقى إليها ليكون بذلك مجرد استغفارًا عن الذنب وعدم العزم على تركه والندم عليه، وهو المراد في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135-136]، فإذا كان الاستغفار نابعًا من الندم على المعصية وعدم الإصرار عليها فهذا يكون أقرب إلى التوبة.[٢]


فضل التوبة والاستغفار

إن للتوبة والاستغفار الكثير من الفضائل التي تعود على المسلم بالنفع العظيم، سواء أكان ذلك في حياته الدنيا أم في حياته الآخرة، ولذلك فقد جاءت الأوامر الإلهية واضحةً في القرآن الكريم بالتزام التوبة والاستغفار، والجدير بالذكر أن صفة الغفران والرحمة من صفات المولى عز وجل، ليبين لعباده أن غفران الذنب ليس بالمستحيل بل هو من أهون الأمور على الله تعالى إذا ما ترافق مع التوبة الخالصة، كما أن غفران الذنوب من مراد الله تعالى، ومصداق ذلك قوله تعالى: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} [النساء: 27].


إنّ الله يحب عباده المسارعين بالتوبة والاستغفار، كما أن التوبة والاستغفار من الأمور التي حافظ عليها أنبياء الله تعالى، وقد وردت الكثير من أحوال توبتهم في القرآن الكريم، وذلك من طهارة النفس، وصفاء السريرة، والتواضع لله تعالى، أما عن فضائل التوبة والاستغفار في السنّة النبوية الشريفة، فقد ورد فيها الكثير من الأحاديث الصحيحة، وفيما يأتي ذكر لبعضها:[٣][٤]

  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً) [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهمْ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سَيِّدُ الِاسْتِغْفارِ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ قالَ: ومَن قالَها مِنَ النَّهارِ مُوقِنًا بها، فَماتَ مِن يَومِهِ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن قالَها مِنَ اللَّيْلِ وهو مُوقِنٌ بها، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُصْبِحَ، فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ) [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال اللهُ يا بنَ آدمَ إنَّك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي يا بنَ آدمَ لو بلغتْ ذنوبُك عِنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتني غفرتُ لك ولا أُبالي يا بنَ آدمَ إنَّك لو أتيتني بقِرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيْتُك بقِرابِها مغفرةً) [الترغيب والترهيب| خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما].
  • روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فِيما يَحْكِي عن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قالَ: أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فأذْنَبَ، فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فأذْنَبَ فَقالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، فَقالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بالذَّنْبِ، اعْمَلْ ما شِئْتَ فقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، قالَ عبدُ الأعْلَى: لا أَدْرِي أَقالَ في الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: اعْمَلْ ما شِئْتَ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]
  • قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ) [الوهم والإيهام| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • روى عبد الله بن عباس قال: (كان رجلٌ مِنَ الأنصارِ أَسلَمَ، ثمَّ ارتَدَّ، ولَحِقَ بالشِّرْكِ، ثمَّ تَندَّمَ، فأَرسَلَ إلى قَومِه: سَلوا لي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هل لي مِن تَوبةٍ؟ فجاء قَومُه إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالوا: إنَّ فلانًا قَدِمَ نَدِمَ، وإنَّه أَمَرَنا أنْ نَسأَلَكَ: هل له مِن تَوبةٍ؟ فنزَلَتْ: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86]، إلى قولِه: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89]، فأرسَلَ إليه، فأَسلَمَ) [الاقتراح| خلاصة حكم المحدث: صحيح].


المراجع

  1. "التوبة والاستغفار في القرآن الكريم"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 31-12-2019. بتصرّف.
  2. "الفرق بين التوبة والاستغفار"، binbaz، اطّلع عليه بتاريخ 31-12-2019. بتصرّف.
  3. "فضل التوبة والاستغفار"، islamway، اطّلع عليه بتاريخ 31-12-2019. بتصرّف.
  4. "أحاديث في فضل التوبة"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 31-12-2019. بتصرّف.