الخوف من الفضيحة بعد التوبة

الخوف من الفضيحة بعد التوبة

هل من الطبيعي الشعور بالخوف من الفضيحة بعد التوبة؟

يتسائل الكثيرون عن شعور الخوف والرهبة تجاه الفضيحة بعد توبتهم إلى الله تعالى، علمًا أنّ إحساس العبد بالخوف بعد ارتكاب المعصية أو الذنب ما هو إلا شعور طبيعي؛ بل هو دليل على شدة الخوف من الله تعالى، كما أنّه دليل على تعظيم ما حرمه الله على العبد، فإن العبد الذي يشعر بالخوف من الفضيحة على خير وصلاح، ولكن عليه أن يترك هذا الخوف لأنه من الشيطان، والله تعالى سيكافئه ويقبل توبته، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَإِنّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهتَدى}[١][٢].


ما هو حل الخوف من الفضيحة بعد التوبة؟

لمن يشعر بالخوف من الفضيحة بعد توبته يمكنه التخلص من هذا الخوف أو التخفيف منه من خلال الخطوات التالية[٢]:

  • الابتعاد قدر الإمكان عن هذا الخوف؛ فهو لا وجه له وهو أفكار من الشيطان كي يغوي صاحب التوبة ويُتعبه ويُشعره بالقلق ويضيِّق حياته عليه؛ فالشيطان يكره رؤية العبد وقد أقبل على خالقه ورجع إليه وبادر بالخير بل ويخاف من ذلك.
  • عصيان جميع الوساوس والهواجس بفعل أمور أخرى بعد التوبة سواءً كان فيها هروبًا أو تشديدًا على النفس.
  • الاطمئنان لله تعالى وحده واليقين بأنَّ التوبة إليه كافية وإن كان الذنب عظيمًا جدًا؛ فإنَّ رحمة الله ومغفرته تفوق كل شيء، فبالرغم من أنَّ أعظم الذنوب هو الشرك بالله إلا أنَّ الله يغفره للعبد الصادق والمخلص في حال طلب منه المغفرة والتوبة، فكيف بالذنوب التي هي أقل إثمًا من الشرك.
  • اليقين التام بأنّ الله قد أراد بعبده التائب الخير ووفقه للفوز بالتوبة النصوح، الأمر الذي يطرد الخجل أو الخوف؛ لأنّ التائب سيدرك تمامًا أنّ تلك المشاعر تضره ولا تنفعه.
  • التصديق الجازم بالبشرى التي أعدّها الله لعبده التائب وأنّه سيبدل جميع سيئاته حسنات، ولكن بشرط توبته توبةً صادقةً وأدائه للأعمال الصالحة لزيادة إيمانه، ودليل على ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ** يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ** إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَـئِكَ يُبَدِّلُ اللَّـهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [٣].


هل يكشف الله الستر عن العاصي؟

إنَّ الله تعالى موصوف بالستر والحياء، ودليلًا على ذلك قول ابن القيم في نونيته: "وهو الحي فليس يفضح عبد.. عند التجاهر منه العصيان، لكنه يلقي عليه ستره.. فهو الستير صاحب الغفران"، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يُدْنَى المُؤْمِنُ يَومَ القِيَامَةِ مِن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حتَّى يَضَعَ عليه كَنَفَهُ، فيُقَرِّرُهُ بذُنُوبِهِ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُ؟ فيَقولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ، قالَ: فإنِّي قدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وإنِّي أَغْفِرُهَا لكَ اليَومَ، فيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فيُنَادَى بهِمْ علَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علَى اللَّهِ)[٤]؛ وهذا دليل على أنَّ الله تعالى يستر على المؤمن الذي يطلب التوبة والستر من المعصية التي قام بها في الدنيا، كما يستره في الآخرة، ولكن في بعض الأحيان تقتضي الحكمة مع بعض الناس أن يرفع الله ستره عنهم، فيُظهر ذنبهم أو فضيحتهم على بعض الخلق؛ وذلك تعجيلًا للعقوبة أو تنبيهًا للمسلم أو لجعله عبرةً للآخرين، أو لحكمة لا يعلمها إلا الله تعالى، لذلك يجب أن يبقى المؤمن خائفًا من الله طالبًا ستره وعفوه، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: { أَفَأَمِنوا مَكرَ اللَّـهِ فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الخاسِرونَ}[٥]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَـئِكَ هُوَ يَبُورُ}[٦][٧].


نصائح للثبات على التوبة

إنّ من أفضل النصائح التي تُساعد العبد على الثبات على توبته وعدم الرجوع للمعاصي التي ارتكبها ما يلي[٨]:

  • حمل النفس على التوبة الصادقة ومجاهدتها على سلوك الطريق السوي والأخذ بالأسباب المؤدية لذلك، كما يجب عدم اليأس من قبول الله للتوبة؛ إذ يتقبل الله التوبة من عباده بشرط أن تكون توبة نصوحةً، ودليلًا على ذلك قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}[٩].
  • الإكثار من فعل الطاعات والاستمرار بذكر الله تعالى، والاستعادة من الشيطان ومن الشر عند خطر المعاصي على ذهن الشخص التائب، وذلك بدليل قول الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[١٠].
  • إشغال وقت الفراغ والفكر بما هو مفيد للنفس؛ إذ إنَّ أفضل ما يقوم به المؤمن ليملأ به وقته ويومه هو انشغاله بالقيام بالفرائض كالصلاة والصيام وبر الوالدين وصلة الرحم وغيرها من أعمال الخير كالسنن وذكر الله والنوافل وقراءة القرآن والتسبيح والاستغفار وغيرها.
  • الامتناع من مخالطة الأجانب، فإنّ هذا الأمر محرم باتفاق العلماء عليه بدليل نهي الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (لا يَخلُ أحدُكُم بامرأةٍ إلَّا معَ ذي مَحرَمٍ)[١١].
  • الإلحاح بالدعاء لله تعالى بقبول التوبة والثبات عليها ورزق العفة، والدعاء بما هو مأثور من أدعية الستر والعفة مثل: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)[١٢].
  • المواظبة على الاستغفار والبعد عن أي طريق ممكن أن يؤدي للمعصية مرةً أخرى.
  • قراءة ما تيسر من القرآن والسنة النبوية مما يخص الترهيب من الفواحش والتحذير منها.
  • قراءة القرآن والسنة النبوية واستشعار مراقبته واطلاعه على كل ما يفعله الإنسان.
  • العزم على عدم العودة عن طريق التوبة، والعزم على عدم العودة للمعصية.
  • ستر النفس وعدم إخبار أي أحد على بما قام به الإنسان من معاصي.
  • الحفاظ على الصلوات المفروضة؛ فإنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء وارتكاب المعاصي.


أسباب ستر الله للعبد

إنّ من أهم أسباب ستر الله لعبده أنّ الله موصوف بالستر والحياء، ولا يُحب الجهر بالفضائح أو الذنوب؛ لأن فيه نشر للرذيلة، وذلك بدليل قوله تعالى:{لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}[١٣]، كما أنّ الله يُحب صون عباده[٧][١٤].


المراجع

  1. سورة طه، آية:82
  2. ^ أ ب "توجيه لمن يشعر بالخوف والقلق بسبب ارتكاب الذنوب"، الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 18/2/2021. بتصرّف.
  3. سورة الفرقان، آية:70-68
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:2768 ، خلاصة الحكم صحيح.
  5. سورة الأعراف، آية:99
  6. سورة فاطر، آية:10
  7. ^ أ ب "هل يكشف الله الستر عن العاصي ويفضحه"، إسلام ويب، 3/3/2014، اطّلع عليه بتاريخ 18/2/2021. بتصرّف.
  8. "نصائح لسلوك طريق التوبة والثبات على الحق والإيمان"، إسلام ويب، 3/7/2010، اطّلع عليه بتاريخ 18/2/2021. بتصرّف.
  9. سورة الشورى، آية:25
  10. سورة فصلت، آية:36
  11. رواه الألباني، في غاية المرام، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:182، صحيح.
  12. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجة، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:3105، حكم المحدث صحيح.
  13. سورة النساء، آية:148
  14. "ستر المسلم "، طريق الاسلام، 21/5/2014، اطّلع عليه بتاريخ 18/2/2021. بتصرّف.
331 مشاهدة