خطبة عن شكر النعم

خطبة عن شكر النعم

نِعمُ الله علينا

نعم الله علينا كثيرة ومتنوعة، منها: نعمة الصحة في البَدنِ والسمع والبصر والعقل وسائرِ الأعضاء، ونعمة الدين والثبات عليه، والالتزام به، والتفقه فيه، فيقول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقد أنعم الله على عباده بإرسال الرسل عليهم السلام، وأنزل عليهم الكتب السماوية، ليعرفوا دين الله العظيم، والنعم تستوجب شكر الله عليها، وحتى يعرف العبد قدرها وعظمتها عليه النظر في أحوال الأقوام، وما قد نزل بهم من الكفر والشرك والضلال، والفساد والانحراف، وتفضيل الدنيا على الآخرة، والأفكار الضّالة التي تحث على الكفر بالله، وبجميع الأديان والرسل والكتب، والبدع والخرافات، والمعاصي المختلفة، وقد ابتلي بها كثير من الناس، ولها عواقب وخيمة، أما نعمة الإسلام عاقبتها الفوز بالجنة والعيش بكرامة، والوصول إلى دار النعيم الحقيقيّ الذي لا يفنى ولا يبلى شباب أهلها ولا تزول عنهم صحتهم ولا يهدد أمنهم، كما قال الله عزّ وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الدخان: 51-57][١].


خطبة عن شكر النعم

فيما يأتي نموذج للخطبة عن شكر النعم[٢]: إنَّ الحمد لله نحمده ونستغفرُه ونَستعينه، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يضلل الله فلا هاديَ له، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلَّم عبده ورسوله، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، ويقول عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].


أما بعد، فَإِنَّ أصدق الكلامِ، كلامُ اللَّهِ وَخَيُرَ الْهُدَى هدى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وكلّ بِدْعَةٍ ضلالة وكلّ ضلالة في النار، أيها المسلمون: إنّ نِعمَ الله علينا لا تُعَدُّ، ولا تحصى، بَل هي متتابعة، كالليل والنهار، يقول سبحانه: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، ويقول سبحانه: {مَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53].، والهدايةُ لدين الإسلام هي أعظم النعم، إذ يقول سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه} [الأعراف: 43]، ويقول ابن تيمية شيخ الإسلام -رحمه الله-: "والعبد دائمًا بين نعمة من الله تحتاج إلى شكر، وذنب يحتاج فيه إلى استغفار، وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائمًا، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه".


والأسباب التي تعين العبد على شكر النعم كثيرة، أولّها: التأمل في نعم الله، وإدراكها في كل حين، وتجنب الغفلة عنها، ومن الناس من يتنعمون بأنواع النعم المختلفة من المآكل، والمشارب، والمراكب، والمساكن، ومع ذلك لا يستشعرونها، وذلك لأنهم لم يجربوا فقدانها يومًا من الأيام، وقد اعتادوا وجودها، لذا أراد الله من عباده التأمل في نِعَمه، إذ يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3].


وثانيها: أن ينظر كل عبدٍ إلى من هو أقل منه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (انظروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فهو أجدرُ أن لا تزدروا نعمةَ اللهِ عليكم) [صحيح الجامع | خلاصة حكم المحدث : صحيح] ، ويقول ابن جرير في تفسيرهذا الحديث: "هو جامعٌ لأنواع مِن الخير، لأنّ الإنسان إذا رأى مِن فُضّل عليه في الدنيا، طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده مِن نعمة الله تعالى، وحرصَ على الازدياد؛ ليلحق بذلك أو يُقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمةُ ربّ العالمين عليه، فشكرها وتواضع وفعلَ فيه الخير".


وثالثها: أنْ يدرك الإنسان أنَّ الله سبحانه سوف يسأله يوم القيامة عن شكرِ هذه النعم، وهل شكرَ أم قصّر؟ فيقول سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]. وقال تعالى: { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أولُ ما يحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ؛ أن يقالَ لهُ: أَلمْ أُصِحَّ لكَ جِسْمَكَ، وأَرْوِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ؟) [صحيح الترغيب | خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وبارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقولُ قولي هذَا، وأستغفِرُ اللهَ العظيمَ الجَليل لِي ولكم، ولِسائر المُسلمينَ مِن كلّ ذنب، فاستَغفروه وتوبوا إِليه، إنّه هو الغَفورُ الرَّحيم.


مقوّمات إلقاء الخطبة

الإلقاء الجيّد سر نجاح الخطبة، فهو الأسلوب الذي يعرض به الخطيب موضوعه، والهيئة التي يكون عليها حين يُخاطبُ جمهوره؛ ليوصلَ للناس ما عنده، ومن مقومات الإلقاء ما يلي[٣]:

  • حيويّة الإلقاء، فالخطيب المؤثر يتميّز بالحماس، وبقدرته على إثارة المستمعين، وإيقاظ أذهانهم، وإبعاد أي فرصة للشرود، ويجذب اهتمام الجمهور بحيويته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتميّزُ إلقاؤه بالحرارة والحيوية، والحماسة والجاذبية، فيرفع صوته ويُجزِل قوله، ويظهر انفعالُه على ملامح وجهه الشّريفِ عليه صلوات الله، وعلى حركتِه وإشارته، فيشدُّ المستمعين إليه، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حتَّى كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يقولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، ويقولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بيْنَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، ويقولُ: أَمَّا بَعْدُ، فإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ثُمَّ يقولُ: أَنَا أَوْلَى بكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ، مَن تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ، وَمَن تَرَكَ دَيْنًا، أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ). وفي رواية أخرى: (كَانَتْ خُطْبَةُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَومَ الجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عليه، ثُمَّ يقولُ علَى إثْرِ ذلكَ، وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ، ثُمَّ سَاقَ الحَدِيثَ، بمِثْلِهِ)[المصدر: صحيح مسلم | خلاصة حكم المحدث: صحيح]
  • حُسن توظيف الصوت، والصوت مِنحةٌ ربانيّة من الله عزّ وجلّ، وهو أقوى أدوات الخطيب الفطريّة، فإذا وهبه الله تعالى صوتًا قويًّا، عذبًا جميلًا، سيكون أجدر بالإلقاء المؤثر، والإفهَامِ والإفصاح أكثر من غيره، إذ تتميز كلماته بالانسياب والسلاسة، فيشعر السامع بالارتياح والاستئناس، وإذا لم يحسن الخطيب توظيف صوته، ستكون كلماته رتيبة باردة، فاقدة لمعناها، ولا انسجام فيها بين اللفظ ونطقه، والمعنى الذي يتضمنه، فيجب أن يدل صوته على معاني كلماته، وأن تختلف النبرة في حال التعجب، أو التقرير، أو الزجر أو الترهيب، عن حال الشكر أو الترغيب، وعليه أن يتفنن في طبقات صوته، فالمكان الواسع المزدحم يحتاج إلى صوت عالٍ وقوي، بعكس المكان الضيق، فلا يحتاج تلك القوة، وكلما أتقن الخطيب توظيف نبرة صوته لتتناسق مع الكلام، ظهر الكلام نابعًا من قلبه، فيؤثر في الجمهور ويجذبهم، بعكس الخطيب المتصنع والمتكلف، فإنّه يفقد احترام الجمهور، لأن الناس لا تحبّ التكلف والتصنع.


من حياتكِ لكِ

اشكري الله على نعمته، بأنواع الشكر الثلاثة: الشكر بالقلب، والشكر باللسان، والشكر بالجوارح، بالاعتراف بقلبكِ أن الله وحده هو واهب هذه النعم، فتعظميه، وتنسبي المنّ والفضل إليه، وأن تعترفي بذلك بلسانكِ، فتشكريه عند الاستيقاظ من النوم أن وَهَبَ لكِ الحياة، وبعد الانتهاء من الأكل والشرب أن رزقكِ إياهما دون حول منكِ ولا قوة، وقد تفضل بهما عليكِ، وافعلي ذلك في كل نعمة تجدينها في حياتكِ، واشكريه بجوارحكِ فلا تجعليها تُبصر، ولا تسمع منكرًا ولا معصيةً، كالغناء، و الغيبة، والنميمة، ولا تمشي برجليكِ إلى مكان محرّم، ولا تستخدمي يديك في منكر، مثل كتابة عقود محرمة، أو العمل بصنعة محرّمة، بل سخري جوارحكِ في طاعة الله سبحانه، كقراءة القرآن الكريم، وكتابة العلم النافع، وسماع ما هو نافع ومفيد، وباقي الطاعات المختلفة، ودوام النعم يحتاج الشكر أيضًا، فالعبد متقلب في نعَم ربِّه، لذلك يشكر ربه على تلك النعم، ويحمده أيضًا أنْ وفقه إلى أنْ يكون من الحامدين الشاكرين[٤].


المراجع

  1. الإمام بن باز، "شكر النعمة حقيقته وعلاماته"، binbaz، اطّلع عليه بتاريخ 12/6/2020. بتصرّف.
  2. رافع العنزي (16/10/2018)، "شكر النعم (خطبة)"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 11/6/2020. بتصرّف.
  3. أ.د. إسماعيل علي محمد (18/9/2016)، "مقومات الإلقاء الناجح"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 12/6/2020. بتصرّف.
  4. فريق الإسلام سؤال وجواب (1/12/2008)، "كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة ؟"، islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 12/6/2020. بتصرّف.
397 مشاهدة