كيف أعرف مستقبلي العاطفي

كيف أعرف مستقبلي العاطفي

كيف أعرف مستقبلي العاطفي

التنبؤ العاطفي هو توقع ما سيشعر به المرء في المستقبل، وقد درس الباحثون منذ فترة طويلة فكرة التنبؤ بالمستقبل من الناحية المعرفية مرارًا وتكرارًا، ولكن عالمي النفس تيموثي ويلسون، ودانييل غيلبرت بحثا عن الفكرة أكثر في التسعينيات، بالنظر إلى إمكانية الشخص في تقدير مشاعره المُستقبلية، والسؤال على سبيل المثال عن كون الزواج من شخص معين يجلب السعادة، أم أن الانتقال إلى مدينة معينة يعزز مزاج المرء، ولقد وَجَد بحثُ ويلسون وغيلبرت أن الناس يخطؤون في تقدير ما سيجعلهم سعداء، ويجدون صعوبةً في رؤية حاضرهم، واكتشفا أنَ ما يشعر به الناس في هذه اللحظة، يمنعُهم من التفكير بالقرارت التي سيتخذونها مُستًقبلًا، ولسوء الحظ؛ لا يمكن للناس أن يأخذوا في الحسبان بدقة ما قد يشعرون به في المستقبل، بل إنهم يميلون إلى المبالغة في تقدير مدى إيجابية أو سلبية شعورهم حيال المواقف المستقبلية، مثلًا عندما يريد شخصٌ ما شيئًا معينًا مثل سيارة فاخرة، يتوقع أن يفرح كثيرًا ولمدة طويلة، ولكن بعد امتلاكه لما يُريد لفترة من الزمن تبدأ فرحته بالتلاشي، وقد وجد العالمان أنَ أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل العاطفي في موقف معين هي التحدث إلى أولئك الذين عانوا من الحدث نفسه[١].


عوامل تتحكم في التنبؤ بالعواطف

إنَ التنبؤ بالمستقبل صعب بطبيعته، وقد صممت عقولنا لرؤية العالم كما هو الآن، وليس من وجهة نظر الأشخاص الذين سنصبح عليهم فيما بعد، ولكنَ علم السلوك يوفر بعض الأفكار حول الطرق التي يتوقَع بها الناس بشكل غير صحيح عما سيكون عليه شعورهم عند التعامل مع الأحداث المستقبلية، وفيما يلي عدد من العوامل التي تؤثر في التنبؤ بالعواطف المستقبلية[٢]:

  • الذاكرة: تلعب الذاكرة دورًا رئيسيًا في تكوين الأشياء المميزة، فضلًا عن أنها أمر بالغ الأهمية لاستجابتنا العاطفية للأحداث؛ إذ تتنبأ التجربة السلبية الماضية عند فرد معين بردِ فعله العاطفي في المستقبل، ولكنَ الذاكرة لا تتذكر كل ما حصل، بل إنها تميل إلى التذكير بالذروة (أفضل شيء أو أسوأ شيء)، وهذا ما يفسر السبب في أن النهاية السيئة تدمر التجربة برمتها.
  • التقليل من التركيز على التفاصيل غير الأساسية: تركِز التنبؤات العاطفية المستقبلية غالبًا على التفاصيل الأساسية، مثلًا الابتهاج بالمولود الجديد، مع عدم الاكتراث بالتفاصيل غير الأساسية التي يمكن أن تؤثِر على السعادة في المستقبل، مثل تغيير الحفاضات، أو الذهاب إلى العمل دون نوم كافٍ، أو تخيُل شعور إيجابي مرتبط بالحصول على وظيفة جديدة، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار الوقت الإضافي للانشغال الذي سيأتي معها، ويمكن أن تكون الخطوة الأولى في تجنُب هذا الانحياز هي إدراك أنَ الشعور الإنسانيَ يُركِز على جانب واحد من السعادة، ويتغاضى عن الجوانب الأخرى.
  • إدراك أنَ العواطف سوف تمرُ: يتكيَف الناس مع التغييرات التي تطرأ على ظروفهم، لكنهم غالبًا يفشلون في تقدير الدرجة التي سيتفاعلون بها، مثلًا توفِر السلع والخدمات المادية في البداية متعةً كبيرةً، ولكنها عادةً ما تكون مؤقتةً، ومن ناحية أخرى يخشى الكثيرون من نتائج الأحداث التي تصيب الإنسان ويكون لها آثار دائمة، مثل الطلاق والبطالة وموت أحد الأقارب، لذلك عند وجود حالة ذهنية غير سارة يجب أن يتذكر كلُ شخص أنها سوف تمرُ؛ لوضع منظور متوازن للأوقات الجيدة والسيئة في الحياة.
  • الشعور بحالات عاطفية أخرى: يميل الناس إلى حصر أنفسهم بأحداث الوقت الحاضر ويتصرفون كما لو أن الأحداث المستقبلية المحببة ستكون مثل التطلعات الحالية، مثلًا عندما يشتري أحد أدوات تمارين رياضية جديدة، سيكون مدفوعًا بالكثير من الإثارة لبداية التدريب بها، ويعتَقِد أنه سيلتَزِم بقراراته التي اتخذها قبل التدريب، ولكنه بعد فترة قصيرة يتخلى عن قرارته.
  • الوهم: يحدث الوهم عندما يولي الناس أهمية كبيرة لميزة مميزة لخيار محتمل وليس أكيد، مثل الانتقال للعيش في مكان جديد؛ إذ يميل الناس إلى التركيز على بعض الجوانب الرئيسية التي سيستمتعون بها في المدينة الجديدة، مثل الطقس الدافئ، ولكنهم يتغاضون عن أيِ شيء آخر، مثل الازدحام، ونقص توفر الخدمات، وهذا التطلع الواهم يُفشِل الناس في رؤية الصورة الحقيقية لأحداث مستقبلية.


التنبؤ العاطفي والعلاقات الاجتماعية

أوضحت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعتي برنستون وهارفارد، أنَ البشر جيدون في التنبؤ بما سيشعر به الناس في المستقبل، فعند قضاء فترة طويلة مع شخص ما يُصبح من السهل معرفة إن كان سعيدًا أم حزينًا من تعابير وجهه فقط، دون أن يوضح ما في خاطره من كلام، ورغم أنَ معرفة المستقبل العاطفي لشخص ما قد يبدو أمرًا غير ضروري؛ إلا أنه يلعب دورًا معقَدًا في الحياة اليومية، مثلًا يتساءل الإنسان كيف سيتلقى الشريك خبرًا معينًا، أو كيف سيخبر والدايه بالقرار الذي اتخذه حول مسألة ما، كما يتساءل الطالب مع نفسه كيف سيتصرف معلمه تجاه إجاباته، وقد وجَدَ الباحثون أنَ البشر عندما يكونون قادرين على التنبؤ بمسقبل الآخرين العاطفي، سيكونون قادرين أكثر على تقوية روابطهم الاجتماعية بهم[٣].


التنبؤ العاطفي والتنظيم الذاتي

التنبؤ العاطفي يشجِع التنظيم الذاتي كثيرًا، وهذا أمر بديهيٌ عند معظم الناس؛ إذ عند وجود فكرة جيدة عن كيفية شعورنا في المستقبل تجاه موقف معين؛ يُمكن بسهولة إعداد النفس لهذا الشعور، ولكن في حالة العواطف السلبية لن يكون من السهل التنظيم الذاتي، وقد يؤدي الشعور بها إلى ردة فعل تهزم نفسها بنفسها، وتزيد من سلبية المشاعر المُستقبلية، وفي المقابل يُعد توقع العواطف السلبية في المستقبل دافعًا قويًا للعمل؛ لمحاولة تجنُب أي نتائج سلبية غير ضرورية قَدَر الإمكان، وكما هو الحال مع العديد من السمات والخصائص في الحياة يمكن للمرء أن يصوغ كل الأبعاد فيما يتعلق بالتنبؤ العاطفي والتنظيم الذاتي لمستقبله[٤].


تأثير التنبؤ العاطفي على السعادة

من السهل معرفة كيفية تأثير التنبؤ العاطفي على السعادة المُستقبلية؛ لأنَ جزءًا كبيرًا منها يأتي من توقع الأحداث المستقبلية الإيجابية، وإدارة التوقعات بشأن الأحداث المستقبلية السلبية الحتمية، ولكن عند المبالغة في تقدير مدى السعادة عند حدوث أمر ما في المستقبل، سيؤثر هذا سلبيًا على السعادة الحقيقية مستقبلًا، أما عند التقليل من توقعات السعادة، فإنَ المشاعر الإيجابية ستكون أكثر، كما عند إدراك السعادة الحقيقية، حتى لو كانت حدثًا عابرًا؛ فإنَ تأثيرها سيكون أكبر مما هو عليه في الحقيقة، وهذه أفضل طريقة لجعل الحياة أفضل وأسهل، وقد تكون أكثر طريقة يؤثر بها التنبؤ العاطفي على المستقبل هي تأثيره على خطوة صُنع القرار حول الأحداث المختلفة في حياة الإنسان[٤].


المراجع

  1. "What Is Affective Forecasting", psychologytoday, Retrieved 26-12-2019. Edited.
  2. Shahram Heshmat Ph.D, "6 Mental Traps in Predicting Future Feelings"، psychologytoday, Retrieved 26-12-2019. Edited.
  3. Katie Moritz, "The Secret to Predicting How People Will Feel"، rewire, Retrieved 26-12-2019. Edited.
  4. ^ أ ب Courtney E. Ackerman, MSc (2019-10-27), "What is Affective Forecasting? Definition + Daniel Gilbert’s Work"، positivepsychology, Retrieved 28-12-2019. Edited.
444 مشاهدة