مفهوم الحق في الاسلام

مفهوم الحق في الاسلام

تعريف الحق

جاء تعريف الحق في اللغة بعدة معانٍ؛ إذ أتى نقيضًا للباطل كما جاء في قوله تعالى:{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}،[١][1]، وأتى الحق بمعنى الثبوت والواقع لا محالة في الأشياء كما ورد في دعاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس (رضي الله عنه): [أنَّ رسولَ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) كان إذا قام إلى الصلاةِ مِن جَوفِ الليلِ يقول: اللهمَّ لكَ الحمد أنتَ نُور السمواتِ والأرضِ ومَن فيهِنَّ ولكَ الحمد أنتَ قَيَّامُ السمواتِ والأرضِ ومَن فِيهِنَّ ولكَ الحمدُ أنتَ ربُّ السمواتِ والأرضِ ومَن فيهِنَّ ولكَ الحمدُ أنتَ الحقّ وقولُكَ الحقُّ ووَعدُكَ الحقّ ولِقاؤكَ حقّ والجنَّة حقّ والنارُ حقّ والساعَة حقّ اللهمَّ لكَ أسلَمتُ وبِكَ آمَنتُ وعليكَ توكَّلتُ وإليكَ أنَبتُ وبِكَ خاصَمتُ وإلَيكَ حاكَمتُ فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وأخَّرتُ وأسرَرتُ وأعلَنتُ أنتَ إلهي لا إلهَ إلَّا أنتَ]،[٢]، وقد استُخدِم الحق بمعنى النصيب كما جاء في قول الرسول (عليه الصلاة والسلام): [إنَّ اللَّهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍ حقَّهُ، فلا وصيَّةَ لوارث]،[٣].

أمّا في الاصطلاح فقد عَرَّف علماء الشريعة الحق بأنّه ما يخصّ الشخص من غيره ماديًا ومعنويًا وله قيمة؛ كحق الملكية في ما يتعلق بالأمور المادية، وحقّ التأليف في ما يتعلق بالجانب المعنوي، وعليه فإنّ الاختصاص في الحق علاقة تشمل المال الذي يكون دينًا في الذمة، أو في ممارسة سلطة شخصية؛ كالحق الذي يمارسه الوالي في ولايته، والوكيل في وكالته، فجميعها حقوق شخصية، وحتى يثبت الحق فلا بُدّ أن يخصّ شخصًا أو فئة محددة [٤]، كما يَعُدُّ العلماء أنّ مفهوم الحق في الفقه أخصّ من المفهوم اللغوي؛ ذلك لأنّ الحق هو ما تُبنى عليه الأحكام الشرعية، فتقرير الحق لا يجرى إلّا بالرجوع للنصوص الشرعية[٥].


أركان الحق

للحق ركنان أساسيان، ويُضاف إليهما ركن ثالث، فالركن الأول هو صاحب الحق؛ أي المُستَحقّ (محلّ الحق)؛ أي ما يتعلق به الحق ليُردّ إليه عينًا ملموسًا أو معنويًا، والركن الثاني صاحب الحق، ففي الحقوق الدينية الله هو صاحب الحق، وفي الحقوق الأخرى صاحب الحق الإنسان أو الشخص الاعتباري؛ كالشركة أو المؤسسة، وقد تناول الفقهاء اعتبارات عديدة لتعريف الولادة وما لها من حقوق، وكذلك الوفاة وما لها من حقوق لا مجال لذكرها في هذا المقام، لكنّ الموضوع جدير بالبحث حسب رأي الفقهاء؛ لأنّ زوال الشخصية لا يعني انتهاء الذمم، فهي باقية افتراضيًا بالقدر الذي تفرزه حقوق التركة، وغيرها من الاعتبارات الشخصية الاعتبارية أو المعنوية؛ كالاعتراف بوجود ذمة مدنية ومستقلة للجهات العامة بغض النظر عن الأفراد التابعين لها، إذ جاء في الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) عن الرسول (عليه الصلاة والسلام): [ذمَّةُ المسلمينَ واحدةٌ يسعى بها أدناهُم]،[٦]، وقد جاء الحديث بمعنى أنّ الأمان الصادر من احد من المسلمين لأعداء المسلمين يسري على جماعة المسلمين، وأخيرًا الركن الثالث للحق هو الحق الشخصي بين شخصين؛ كالدائن والمَدين، فالمدين هو المكلّف بالحق وآدائه إمّا قيامًا بعمل ما؛ كسداد الدين أو الثمن، أو الامتناع عن عمل ما؛ كالامتناع عن إيذاء الجار، أو الامتناع عن التصرف بالأمانة وما في حكمها[٧].


أنواع حقوق الإنسان في الإسلام

يتمتّع الإنسان في الإسلام بحقوق لا يضاهيه فيها أحد على الإطلاق، فالمسلم يجب أن يعيش بكرامة وأمن إبتداءً، وقد قسّم العلماء هذه الحقوق إمّا حقوقًا شخصية أو حقوقًا اجتماعية، وفي ما يأتي تفصيل لها[٨]:

  • الحقوق الشخصية: هي حقوق لا بُدّ أن تؤدّى في إطار واحد غير متجزّئ، لكنّ هذا لا يعني أنّه ليست لها أولويات، وهي بحسب تعريف العلماء لها الحقوق التي تأخذ الطابع الشخصي فتحافظ على المصالح الضرورية في الشرع.
  • حق الحياة: هو الحق الأول والأهم لحقوق الفرد الإساسية؛ فبوجوده تجب بقية الحقوق، وعند انتهائه تنعدم، فهو حقّ أوهبه الله تعالى للإنسان، إذ قال الرسول (عليه الصلاة والسلام(: [إنَّ دمائكم وأموالَكم وأحسبُه قالَ: وأعراضَكُم علَيكم حرام كحُرمةِ يومِكُم هذا في شَهْرِكُم هذا في بلَدِكُم هذا]،[٩]، وبناءًا على ما تقدم فقد حرّم الله قتل النفس إلّا بالحق، وأوجب القصاص حفاظًا على حقوق العباد، وحرّم الانتحار لحفظ هذا الحق.
  • حق الإنسان في كرامته: فكرامة الإنسان في الشريعة الإسلامية أمر ثابت لا تأويل فيه بدليل قوله تعالى: {وَلَقَد كَرَّمنا بَني آدَمَ وَحَمَلناهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلناهُم عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا}،[١٠]
  • حق المسكن وحرمته وحق الخصوصية: إذ ورد في الآية 189 من سورة البقرة هذا التوجيه الربّاني الداعي إلى حفظ حق الإنسان في مسكنه وحرمته وعدم اقتحام خصوصيته، إذ قال الله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}،[١١]، وقال أيضًا:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}،[١٢]


خصائص حقوق الإنسان في الإسلام

جاء الإسلام وضمن حقوق الإنسان في جوانب حياته جميعها، وهذا الأمر بمنزلة الداعم للدعوة الإسلامية في بدايتها، وأدّى إلى دخول عدد من الضعفاء والمساكين في هذا الدين العظيم؛ لما وجدوا فيه من حفظ للحقوق، وفي ما يأتي تُورَد خصائص هذه الحقوق[١٣]:

  • منبثقة من العقيدة الإسلامية، وهي عقيدة التوحيد التي تُعدّ منبع الحقوق كلّها التي تُمنَح للإنسان.
  • منحة إلهية لخلقه، فهي ليست حقوقًا بين أفراد، وإنّما حقوق يعطيها الله لعباده ويسلبها منهم بإرداته.
  • شاملة لأشكال الحقوق كلها، فهي تشمل الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية، فلا تمييز في هذه الحقوق يُبنى على اللون أو العرق أو الجنس.
  • ثابتة، فلا إلغاء لها ولا تأويل ولا تعطيل، فهي جزء من شريعة الله في الارض.
  • حقوق الإنسان في الإسلام مقيّدة بأحكام الشريعة ومقاصدها، وليست مطلقة.


المراجع

  1. سورة الأنبياء ، آية: 18.
  2. رواه عبدالله بن عباس، في مسند أحمد، الصفحة أو الرقم: 4/292 ، إسناده صحيح.
  3. رواه أبو أمامة الباهلي، في صحيح ابن ماجه، الصفحة أو الرقم: 2210 ، إسناده صحيح .
  4. "تعريف مفهوم الحق, أركانه, أقسامه والحقوق المعنوية"، maraje3، اطّلع عليه بتاريخ 10-12-2019. بتصرّف.
  5. "مفهوم الحق فقهياً"، islam4u، اطّلع عليه بتاريخ 10-12-2019. بتصرّف.
  6. رواه علي بن أبي طالب، في التعليقات الرضية، الصفحة أو الرقم: 483/3 ، إسناده صحيح.
  7. "الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي"، islamilimleri، اطّلع عليه بتاريخ 10-12-2019. بتصرّف.
  8. احمد عبد عباس مغير الجبوري (1-11-2017)، "أنواع حقوق الإنسان في الإسلام"، uobabylon، اطّلع عليه بتاريخ 10-12-2019. بتصرّف.
  9. رواه رجل من الصحابة، في نخب الافكار، الصفحة أو الرقم: 14/515، ورد من طريقين صحيحين.
  10. سورة الإسراء، آية: 70.
  11. سورة البقرة ، آية: 189.
  12. سورة النور، آية: 27.
  13. "خصائص ومميزات حقوق الإنسان في الإسلام "، books، اطّلع عليه بتاريخ 10-12-2019. بتصرّف.
429 مشاهدة