فضل سورة لقمان

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٣٨ ، ٤ ديسمبر ٢٠١٩
فضل سورة لقمان

سورة لُقمان

تأتي سورة لُقمان في الترتيب السابع والخمسين حسب نزول القرآن الكريم، وجاءت بعد سورة الصافات، وقبل سورة سبأ، وفي المُصحف العُثماني تقع في الترتيب الواحد والثلاثين، كما تضمّ أربعًا وثلاثين آية، وهي من السور المكِّية التي يرجع سبب نُزولها كما ذكر أبو حيَّان أنها نزلت بعدما سأل أهل قريش الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قصة لُقمان مع وَلَدِه؛ إذ كان سؤالهم بقصد الاختبار للنبي -صلى الله عليه وسلم-[١].


تسمية سورة لُقمان

يَرجِع السبب في تَسمية سورة لُقمان بهذا الاسم إلى ذِكرها كلمة لُقمان، إذ يُعرف أن كثيرًا من السور تُسمى على كلمةٍ وردت فيها، مثل سورة البقرة، واختلف أهل العلم فيما إذا كان لُقمان رجلًا صالحًا أم من الأنبياء، إذ يرجِّحون أنه كان عبدًا صالحًا ولم يكن نبيًا وهذا ما ذكره ابن كثير في تفسيره[٢].

يرى مُعظم أهل العلم أن لُقمان الحكيم لم يكن نبيًا بل كان رجلًا عابدًا لله تعالى، عُرف عنه تركه ما لا يعنيه، ويُقال أنه لم يكن حُرًا وكان أسود البشرة وقدميه كبيرتين ومُشققَتَين إثر العمل، وكان غَليظ الشفتين، ويُقال أنه من جنوب مصر، ويرجع إلى الفترة التي عاش بها سيدنا داود -عليه السلام-، وقد عُرفت عنه الحكمة في ذلك الوقت وأصبح يُشار إليه عند بني اسرائيل بحُسن الخُلق والالتزام بالدين، وقيل أن شُهرته وصلت إلى الجزيرة العربية؛ فسألوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنه، وكان هذا السؤال كان من اقتراح بني اسرائيل، وكان القصد من هذا السؤال إظهار النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنه كاذب وجاهل؛ مما يتسَبُب بنفور الصحابة منه وفشل الدعوة[٣].


وصايا لُقمان الحكيم لابنه

بدأت سورة لُقمان بذكر صفات لُقمان والتعريف به، ومن الصفات التي ذُكرت فيه أنه كان حكيمًا صالحًا راجح العقل؛ لإشعار القارئ بقيمة هذه الوصايا وصدورها عن شخص يُقْتَدَى به، واستعمل لُقمان الحكيم أسلوب الوعظ بأُسلوبٍ يُشعر بحجم الحرص الذي يَحمله الواعِظ تِجاه المَوعوظ، فتدخُل النصيحة إلى القلب بأثر أكبر، وفيما يلي عرض لهذه النصائح حَسَب التَرتيب والأولوية[٤]:

  • عدم الشِرك بالله: جاءَت هذه الوصيَّة في المرتبة الأولى لبيان أهميتها، لأن من يعبد غير الله تكون خسارته كبيرة، ويكون قد ابتعد عن الغاية التي خُلق من أجلها الإنسان؛ وهي عبادة الله تعالى، وأوضح بعد الوصيَّة أن سببها توضيح أن الشِّرك ظُلمٌ كبير.
  • البِرُّ بالوالدين: جاءت هذه الوصيَّة بعد الوصيَّة بعدم الشرك بالله وفي مواضع كثيرة في القرآن الكريم اقترن ذكر بِر الوالدين بعبادة الله وحدة وعدم الشرك به؛ قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً} [الإسراء| 23]، وقد خصَّ لُقمان الأم بوصيته، وبووضح التعب الذي تعانيه في حملها وحضانتها لأبنائها، وبعد هذه الوصيَّة وضع لُقمان الحدود لطاعة الوالدين، إذ لا تكون الطاعة لهما في معصية الله تعالى ومخالفة أمره، ويَختم الوصيَّة بتحديد أن من يستحق المصاحبة هم الذين يعبدون الله ويطيعونه بإخلاص.
  • مُراقبة حدود الله: يُوصي لُقمان الحكيم ابنة بالوُقوف عند أوامر الله ونواهيه، وأن تكون الرقابة نابعة من الداخل بغض النظر عن الرقابة الخارجية، وهذه من أفضل الطُرق العلمية التي يتم فيها اعتماد مبدأ تنمية الرقابة الذاتية أكثر من الاعتماد على الرقابة الخارجية، لأن أي شخص قادر على خرق القوانين في الفترات التي يقضيها وحده، دون أن تُكشف عن هذه المُخالفة، ويبقى المُذنب بلا حساب.
  • إقامَة الصلاة: يَحُثُّ لُقمان ابنة على الالتزام بالعبادات ولا سيما الصلاة، إذ إنها من أهم العبادات التي تتميز بأدائها أكثر من مرة في اليوم، وقد فُرضَت في السماء دون العبادات، وهذه الوصيَّة تساعد على إراحة النفس وخلق الطُمَأنينة، وتُبْقي العبد مُتَّصِلا مع الله تعالى ولا تُعطي للشيطان مجالًا للاستحواذ على العبد.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر: يَنصح لُقمان الحكيم ابنه أن يأمُرَ بالمعروف وينهى عن المُنكر لأن ذلك سيقوي مداركة ويجعله على علم تام بما يأمر به أو ينهى عنه، ويكون قادرًا على تَحمُّل المسؤولية وأن يكون حمل هُموم المُجتمع من أولوياته، ويكون هدفُه في الحياة التأثير بشكل إيجابي وإصلاح المُجتمع، ثم يُنَبِّه لُقمان ابنه إلى أن هذا الطريق ليس سهلًا وسوف تكون له عواقب ومشاكل عليه أن يكون صابرًا عليها.
  • عدم التعالي على الناس: بعد أن أكمل لُقمان الحكيم وصاياه التي تتعلق بالعبادات، انتقل إلى نوع جديد من الوصايا تتعلق بأساليب التعامل مع الناس، قال تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لُقمان: 18]، فالصَّعَر هو مرضٌ يُصيب الإِبل يسبب التواءً في العُنق، وفي هذه الآية استعارةً عن التعالي والتَكبُّر على الناس، وأنَّ هذا الفعل المَنبوذ عبارة عن مرض يُصيب النفس البشرية، وشبهه بالمرض الذي يصيب الإبل، وفي ذلك دلالةٌ على أن هذا الأسلوب لا يليق بالبشر وهو سلوك حيواني يستخدمه الحيوان إذا كان به المرض، ثم يكرر لُقمان الحكيم وصيته بعدم التكبُّر على الناس وفي ذلك دلالة على خطورة هذا الفعل.
  • الاعتدال: قال تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لُقمان: 19]، يَنصح لُقمان الحكيم ابنه في هذه الوصيَّة بأن يَعْتَدل في كل الأمور، وخص بالذكر الاعتدال بالمشي؛ قاصدًا فيها الاعتدال في جميع مناحي الحياة، وربما دَلَّ على أن المشي البطيء يمكن أن يعرَّض صاحبة للفِتَن مثل النَظر للمُحَرَّمات وغيره.
  • خَفْضُ الصوت: في هذه الوصيَّة دلالة على ضرورة تقوية الثِقَة بالنفس واحترام الآخرين وعدم رفع الصوت؛ إذ إن رفع الصوت دلالة على نقصان حجة المتكلِّم ومحاولته تغطية النقص بصوته العالي، ثم يخبره أن رفع الصوت صفة مُنكرة وأنّه أشبه بصوت الحمير.


مقاصد سورة لُقمان

تُوجد العديد من مقاصد سورة لقمان، ومن أهمّها ما يلي[١]:

  • إثبات الحِكمة للقرآن الكريم، والمقصود بها حِكمة الله تعالى ومنزلتُه في الأقوال والأفعال، وهذه السورة خير مثال على ذلك.
  • بدأت السورة بالإشارة إلى هَدْيِ القرآن، ليعرف الناس أنَّ القُرآن لا يحتوي إلا على ما فيه خيرٌ للناس، ولا يَلتفت القُرآن الكريم إلى أخبار الطُغاة والجَبابرة إلا ليُحَذّر من تَصرُّفاتهم ويوضِّح العواقب التي وصلوا إليها، وهنا كان تمهيد لقصة سيدنا لُقمان.
  • اعتبار من يَهزأ بآيات الله تعالى سفيهًا، ونبذ ما يقوم به من أعمال تُلهي عن عبادة الله تعالى.
  • إظهار قدرة الله تعالى في الكون.
  • التنبيه بذكر لُقمان الذي أُوْتِيَ الحِكمة، وأَمَره الله بشكرها، وذكر وصايا لُقمان المختلفة التي كان فيها الكثير من الفائدة.
  • تطرَّقت السورة إلى موضوع العقيدة وانحراف عقيدة المُشركين الذين تركوا التوحيد، وبينت للكفار الأدلة الواضحة على ذلك، وتَطرَّقت إلى الإيمان باليوم الآخر والحِسابٌ الدقيق على كل شيء.
  • بيان صفات النفس البشريَّة وأنها ترجع إلى الله تعإلى إذا خافت وتعرضت للخطر، ثم إذا تلافى الخطر عنها تجد البعض يبقى ثابتًا على عهد مع الله ومنهم من يَكفُر بنعمةِ الله تعالى.
  • إظهار ضرورة الالتزام بالتقوى والإكثار من الأعمال الصالحة؛ لأنها هي التي تنفع الناس يوم القيامة ولا تنفعهم أعمال الآخرين حتى ولو كانوا أقرب الناس.
  • خُتِمت السورة بالتَحذير من اتِّباع الشيطان، وأن ما يَدَّعِيْهِ العَرَّافُوْنَ من عِلمٍ للغيب لا أساس له من الصِحَّة، وأنَّ عِلْمَ الغيب فقط بيد الله تعالى.


التربية الصالحة للأبناء

من البديهي وجود رغبة من الوالدين بتربية أبنائهم تربية صالحة، ويستخدم الوالدين طُرقًا مُختلفة في التربية، وقد تكون معظم هذه الطرق ذات أثر سلبي على الأبناء، ولا يشترط في هذه الطرق التمكّن من حماية الأبناء من المؤثرات الخارجية، ولعل أفضل الطرق لحماية الأبناء هي تقوية الوازع الداخلي لديهم وتعزيز إيمانهم بربهم؛ إذ يُمكن الحصول بذلك على الطمأنينة تجاه الأبناء وتقليل الخوف عليهم من التأثيرات الخارجية، ومن حق الأبناء على آبائهم الجلوس معهم وإعطاؤهم الموعظة التي تعرّفهم بالخطأ والصواب، ولا شك أن أسلوب الموعظة الذي استخدمه لقمان كان ناجحًا بدليل أن القرآن الكريم استدل به عندما ضرب مثالًا على أسلوب التربية الصالحة[٥].


المراجع

  1. ^ أ ب "مقاصد سورة لقمان"، islamweb، 11-01-2015، اطّلع عليه بتاريخ 3-12-2019. بتصرّف.
  2. "سبب تسمية سورة لقمان بهذا الاسم"، islamweb، 29-9-2003 ، اطّلع عليه بتاريخ 3-12-2019. بتصرّف.
  3. أحمد الجوهري عبد الجواد (18-5-2018)، "مقاصد سورة لقمان"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 3-12-2019. بتصرّف.
  4. محمد سلامة الغنيمي (17-4-2014)، "وصايا لقمان التربوية"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 3-12-2019. بتصرّف.
  5. أميمة الجابر، "هل أثرت موعظة لقمان في ابنه؟"، almoslim، اطّلع عليه بتاريخ 3-12-2019. بتصرّف.