لماذا سمي عام الحزن بهذا الاسم

لماذا سمي عام الحزن بهذا الاسم

عام الحزن

هو العام الذي فقد فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام- اثنين من أهم من نصروه في دعتوه وتبليغ رسالته؛ إذ توَفّى الله فيه أبا طالب عم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وزوجته السيدة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، فحزن الرسول عليهما حزنًا شديدًا؛ لذا سُمي هذا العام بعام الحزن؛ إذ ذكره العديد من العلماء في مؤلفاتهم باسم عام الحزن؛ فقال الفخار: (لما مات أبو طالب وخديجة بنت خويلد زوج النبي -صلى الله عليه وآله- سمى رسول الله العام الذي ماتا فيه "عام الحزن"؛ وذلك لشدة مصابه بهما و وَجده عليهما)، كما جاء في كتاب "كشف الغمة" ما نصه: (.. ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر ااجتمع بذلك على رسول الله حزنان حتى عرف ذلك فيه..)[١].


تفاصيل أحداث عام الحزن

بدأ هذا العام بوفاة أبي طالب ثم وفاة أم المؤمنين خديجة، وفيما يأتي تفاصيل وفاة كل منهما[٢]:

  • الحدث الأول: وفاة أبي طالب؛ إذ اشتد عليه المرض ولم يمهله طويلًا فتوفي في شهر رجب في السنة العاشرة من البعثة، وتحديدًا بعد خروج المسلمين من الشعب بستة أشهر، وفي بعض الروايات أنه توفي قبل وفاة خديجة بثلاثة أيام، وقد ورد في الحديث الذي رواه "المسيب" قوله: (أنَّ أبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ: أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لكَ بهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أبو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حتَّى قَالَ آخِرَ شيءٍ كَلَّمَهُمْ بهِ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، ما لَمْ أُنْهَ عنْه؛ فَنَزَلَتْ: {ما كانَ للنبيِّ والذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113]. ونَزَلَتْ: {إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ}) [القصص: 56]،[٣]، فالذي تسبب بحزنه عليه الصلاة والسلام موت عمه الذي كان بمثابة حصن الدفاع عن الدعوة الإسلامية من تعدي السفهاء من مشركي مكة، وأنه لم يمت على ملة الإسلام، بل بقي على ملة أجداده؛ بدليل قول الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عندما سمع الرسول يذكر عمه فقال: (لعلَّه تنفعُهُ شفاعتي يومَ القيامَةِ، فيُجْعَلُ فِي ضَحْضاحٍ من النارِ يبلُغُ كعْبَيْهِ، يغْلِي مِنْهُ أمُّ دِماغِهِ، يعني أبا طالب)[٤].
  • الحدث الثاني: وفاة خديجة أم المؤمنين التي توفيت بعد ثلاثة أيام من وفاة أبي طالب، وبروايات أخرى غير ذلك، وتحديدًا في شهر رمضان من السنة العاشرة للبعثة، وعن عمر ناهز الخامسة والستين؛ إذ كان عمر الرسول -عليه الصلاة والسلام- يناهز الخمسين عامًا، فهذه السيدة الفاضلة الكبيرة من نعم الله على رسوله الكريم؛ إذ شاركته في الجهاد، وواسته بمالها ونفسها؛ إذ قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الذي روته عائشة: (كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا ذكَرَ خَديجةَ أَثْنى عليها، فأحسَنَ الثناءَ، قالت: فغِرْتُ يومًا، فقُلْتُ: ما أكثرَ ما تذكُرُها حَمراءَ الشِّدْقِ، قد أبدَلَكَ اللهُ عزَّ وجلَّ بها خَيرًا منها، قال: ما أبدَلَني اللهُ عزَّ وجلَّ خَيرًا منها، قد آمَنَتْ بي إذ كفَرَ بي الناسُ، وصدَّقَتْني إذ كذَّبَني الناسُ، وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَني الناسُ، ورزَقَني اللهُ عزَّ وجلَّ ولَدَها إذ حرَمَني أولادَ النِّساءِ)[٥].
  • تراكم الأحزان على الرسول: إن الحدثين الأول والثاني وقعا خلال فترة بسيطة، فحزن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، واهتزت مشاعره وتألم على موتهما، ومما زاد من حزنه وغمه تَجرُّؤ قومه عليه بعد وفاة عمه أبي طالب، فيئس منهم ومن أفعالهم وخرج إلى الطائف لعلهم يستجيبوا لدعوته وينصروه على قومه؛ إلا أن أحدًا لم ينصره أو يؤيده من أهل الطائف في دعوته، وآذوه عليه أفضل الصلاة والسلام.


تحقيق تسمية عام الحزن

من المعروف لدى عامة المسلمين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمّى هذا العام بعام الحزن، ولكن لم ترد تسميته بعام الحزن في أي من الأحاديث الصحيحة وحتى الضعيفة منها، كما لم ترد في شروح السنة النبوية الشريفة، فلم يذكر هذا الاسم أحد ممن كتبوا في سيرة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، كابن كثير أو ابن القيم أو الذهبي، ولا فيمن كتبوا في شرح الأحاديث؛ كالنووي وابن حجر العسقلاني، أما المصدر الوحيد الذي أورد اسم عام الحزن هو القسطلاني في كتابة المواهب اللدنية، وقد ضعفه العلماء في قوله وذكره له لعدة أسباب[٦].


الحقائق والحكم المستفادة من عام الحزن

بين العلماء العديد من الحقائق والحكم المرتبطة بالأحداث التي حلت بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في عام الحزن نوردها كالآتي[٧]:

  • حقيقة ظهور عناية الله وحفظه للرسول ودعوته، فوجود من يحمي الرسول -عليه الصلاة والسلام- يعني أن دعوته للحق ماضية وأن دينه سينتصر؛ فالنصر يأتي من عند الله وحده لا شريك له مصداقًا لقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}،[٨]، فالله وعد بحفظ رسوله من الناس مصداقًا لقوله:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}،[٩]، وقد فسرها الشافعي -رحمه الله- بقوله: (يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حتى تبلغ ما أنزل إليك)، فالمقصود بالعصمة في هذا المقام هو العصمة من القتل، لا العصمة من الإيذاء والمحن.
  • حقيقة أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يقتصر حزنه في هذا العام على موت عمه وزوجه، وإنما حزنه كان على عمه حامي الدعوة الإسلامية، وزوجته المؤمنة الصادقة، أي الحزن كان من باب حب الرسول -عليه الصلاة والسلام- لدعوته والإخلاص لها، ومن باب الوفاء للسيدة خديجة التي ضحت بمالها ونفسها من أجل هذه الدعوة، كما أن حزنه الكبير زاد لموت عمه على الكفر، إذ امتنع عن قول لا أله إلا الله.
  • حكمة استنتجها العلماء في أحداث عام الحزن تتعلق بالاقتداء برسولنا الكريم في صبره وتحمله الهم والحزن، وهي حكمة عظيمة في أن دعوة الرسول كانت بمشقة وجهد وبلاء في تبيلغها، ولو أن الصحابة لم يروا هكذا مواقف للنبي عليه الصلاة والسلام لطمعوا من بعده واستراحوا، وبالتالي كان وقع البلاء عليهم ثقيل، فما جرى مع الرسول -وهو الأسوة الحسنة لنا- يعلمنا أنه لا بد من التحمل والصبر حتى ينال المؤمن ثواب ذلك من الله -عز وجل-، إذ قال الله في كتابه العزيز: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}[١٠].


المراجع

  1. "ما هو عام الحزن"، islam4u، اطّلع عليه بتاريخ 8-12-2019.
  2. " عــام الحـــزن"، al-eman، اطّلع عليه بتاريخ 8-12-2019.
  3. رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن المسيب بن حزن، الصفحة أو الرقم: 3884 ، صحيح.
  4. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أبو سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 5087، صحيح.
  5. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 24864، صحيح.
  6. محمد عبد الله العوشن (28-2-2014)، "عام الحزن"، islamstory، اطّلع عليه بتاريخ 8-12-2019.
  7. "عام الحزن حقائق وحِكم"، islamweb، 31-12-2009، اطّلع عليه بتاريخ 8-12-2019.
  8. [سورة التوبة، آية: 33].
  9. [سورة المائدة، آية: 67].
  10. [سورة الأحزاب، آية: 21].
335 مشاهدة