من امثلة التواضع

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٣٩ ، ١٥ يناير ٢٠٢٠
من امثلة التواضع

تعريف التواضع

التواضع لغة: التذلل، ويقال وتواضع فلان: أي تذلل، وقيل: تواضع فلان: أي تخاشع وذل. ومعنى التواضع اصطلاحًا: هو كراهية التعظيم، وترك الترؤس، وترك المبالغة في الإكرام، وأن يترك الإنسان التفاخر بما وهبه الله من صفات، وما امتلك من مال أو جاه، وأن يترك الإعجاب والكبر، وقيل في التواضع أنه منزلة وسط بين الكِبر والضِّعة، وهو من الأخلاق التي حرص عليها الإسلام، وفيه تذلل القلب لله مما يكسب الجوارح خضوعًا وسكونًا، ويدفع المسلم الى تقدير الناس واحترامهم وحسن تعاملهم، ويلزم المسلم بقبول الحق والرضى به مطلقًا[١].


أمثلة من تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم-

وصف الله نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- بقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]؛ فدل الوصف القرآني على امتلاك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أعلى الأخلاق وأكمل الصفات، ومنها خلق التواضع؛ فتحلى بهذا الخلق في أبهى الصور؛ إذ أمر الله تعالى بالتحلي به في قوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر: 88]، ومن الأمثلة على تواضعه -صلى الله عليه وسلم- ما يلي[٢]:

  • تواضع الرسول -صلى الله عليه سلم- في لباسه وركوبته: فلبس من الثياب أبسطها، وركب البغال والحمير، وما تغير تواضعه قبل النصر والفتوحات، بل بقي على بسيط الملبس بعد نصره في بدر وأحد وبعد فتح خيبر وفتح مكة وامتلاكه أموال المشركين واليهود.
  • تواضعه مع أهل بيته: إذ كان يساعد بأعمال البيت البسيطة ويشارك أهل بيته أعمالهم، وعن عائشة -رضى الله عنها أنها قالت: (سأَلها رجُلٌ: هل كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعمَلُ في بيتِه؟ قالت: نَعم كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخصِفُ نعلَه ويَخيطُ ثوبَه ويعمَلُ في بيتِه كما يعمَلُ أحَدُكم في بيتِه) [تخريج صحيح ابن حبان| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • تواضعه مع الناس: كان شديد التواضع مع أصحابه؛ فما تميز عنهم بملبس أو مجلس؛ إذ كان لا يُعرف بين أصحابه حتى يُسأل عنه، وقال أبو هريرة: (كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَجلِسُ بيْنَ ظَهْرَيْ أصحابِه، فيجيءُ الغريبُ، فلا يدري أيُّهُم هو حتى يَسأَلَ...) [تخريج سنن أبي داود| خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح]، ويكرة أن يقوم الناس له تبجيلًا، ويُجيب دعوة من دعاه فقيرًا أم غنيًّا؛ إذ روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال: (لَوْ دُعِيتُ إلى ذِراعٍ أوْ كُراعٍ لَأَجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ أوْ كُراعٌ لَقَبِلْتُ) [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ومن تواضعه أنه كان يُعلّم الجاهل، ويقضي حوائج السائلين، ولا يرد أحدًا في مسألة، ومن أجمل صور تواضعه يوم عرفة؛ إذ خطب بالناس مظهرًا تواضعة وخشوعه وذله لله، على خلاف القادة في مواضع الخطب بين الجموع الغفيرة؛ فإنهم يظهرون تميزهم على من حولهم، وخلاف الفاتحين والمنتصرين في الحروب فقد أظهر الرحمة والعفو لأهل مكة ودخلها على راحلته مطأطئًا رأسه تواضعًا وخشوعًا لله سبحانه.


نماذج من تواضع الصحابة

في أبهى صور الاقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- نجد نماذجَ كثيرة يظهر فيها تواضع الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا نورد بعضها فيما يلي[٣]:

  • كان أبو بكر يجلب لأهل الحي الماء قبل أن تصير إليه خلافة المسلمين بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فلما صار خليفة مشى ذات يوم في السوق فسمع جارية تقول: "الآن لا يجلب لنا الماء، فقال: بلى لأجلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت عليه".
  • ومن النماذج الشهيرة في تواضع الصحابة تواضع عمر بن الخطاب؛ إذ يروي طارق بن شهاب يقول: "خرج عمرُ بنُ الخطابِ إلى الشامِ ومعنا أبوعبيدةَ بنُ الجراحِ فأتوا على مَخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ فنزل عنها وخلع خُفَّيه فوضعَهما على عاتقِه وأخذ بزمامِ ناقتِه فخاض بها المَخاضةَ فقال أبو عبيدةَ يا أميرَ المؤمنين أأنتَ تفعلُ هذا؟ تخلعُ خُفَّيك وتضعُهما على عاتقِك وتأخذ بزمامِ ناقتِك وتخوضُ بها المَخاضةَ ما يسرُّني أنَّ أهلَ البلدِ استشرفوك فقال عمرُ أُوَّهْ لو يقلْ ذا غيرُك أبا عبيدةَ جعلتُه نكالًا لأمة محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إنا كنا أذلَّ قومٍ فأعزَّنا اللهُ بالإسلامِ فمهما نطلبُ العزَّ بغيرِ ما أعزَّنا اللهُ به أذلَّنا اللهُ" [السلسلة الصحيحة| خلاصة حكم المحدث: صحيح].
  • يروى عن الصحابي الجليل عبدالله بن سلام أنه مرَّ في السوقِ عليه حزمة من حطبٍ فقيل له: أليس قد أغْناكَ اللهُ عن هذا؟ قال: بلى ولكنْ أردتُ أنْ أقمَع الكبر سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: "لا يَدخلُ الجنةَ مَن كان في قلبِه مثقالُ حبَّةٍ مِن خَردلٍ مِن كبرٍ" [إتحاف الخيرة المهرة| خلاصة حكم المحدث: سنده صحيح].


نماذج من تواضع العلماء

فيما يأتي ذكر لبعض الأمثلة من تواضع العلماء[٤]:

  • روى رجاء بن حيوة أنه قال: "سمرت ذات ليلة مع عمر بن عبد العزيز فبينما نحن في سمرنا إذ ضعف ضوء السراج؛ فقلت أنبه الغلام ليصلحه، فقال عمر: دعه ينام، فقلت: أقوم فأصلحة، فقال: ليس من المروءة أن يستخدم الرجل ضيفه، ثم قام بنفسه، فصب فيه زيتًا، ثم رجع إلى مجلسه وقال: قمت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر" وكان يخرج من خاصة ماله درهمًا كل يوم لشراء طعام يأكل به مع المسلمين.
  • ومن تواضع المحدث عطاء بن أبي رباح أنه قال: "إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له وكأني لم أسمعه، وأنا أعرفه قبل أن يولد".
  • وعن تواضع الإمام ابن تيمية حدث البزار فقال: "كان ابن تيمية يحمل النسخة من الكتاب إذا خرجنا للقراءة، فإذا اعتذرت إليه أدبًا، قال: لو حملته على رأسي كان ينبغي، ألا أحمل ما فيه كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وكان يتواضع للصغير وللكبير، ويتواضع للفقراء ويتواضع للغني الصالح، وكان يخدم الفقراء ويتقرب من الله بذلك.


التواضع في القرآن

وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على معنى التواضع، وتذكر صفات المتواضعين، كما تذكر أجرهم وثوابهم في الآخرة منها[٥]:

  • قال تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].
  • وفي سورة الحجر يقول تعالى: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88].
  • قول الله تعالى في سورة الشعراء: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215].


أقوال في التواضع

خلق التواضع من الأخلاق الإسلامية التي كثرت فيها أقوال الصالحين بهدف دعوة الناس الى التحلي بهذا الخلق الرفيع، ومن بعض ما قيل في التواضع[٦]:

  • قول السيدة عائشة أم المومنين -رضى الله عنها-:"إنَّكم لتغفلون أفضل العبادة: التَّواضُع" [الأمالي المطلقة| خلاصة حكم المحدث: حسن].
  • قول ابن المبارك: "رأس التَّواضُع أن تضع نفسك عند مَن هو دونك في نعمة الدُّنْيا حتى تُعْلِمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل، وأن ترفع نفسك عمَّن هو فوقك في نعمة الدُّنْيا، حتى تُعْلِمه أنَّه ليس له بدنياه عليك فضل".
  • قول إبراهيم بن شيبان: "الشَّرف في التَّواضُع، والعزُّ في التَّقوى، والحرِّية في القناعة".


فوائد التواضع

فيما يأتي مجموعة من فوائد التواضع التي تعود على الفرد والمجتمع[٧]:

  • التواضع خلق من أبرز الصفات التي يتصف به عباد الله المؤمنين.
  • التواضع خلق يقرب العبد من خالقه؛ فالله يرفع منزلة العبد المتواضع، وبالتواضع ينال العبد محبة الله.
  • التواضع طريق للجنة، وهو من أكبر الدلائل على حسن الختام؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
  • التواضع خلق يكسب القلوب السلامة، ويجمعها على المحبة والألفة، ويذيب الحقد، ويزيل الشحناء بين الخلق، ويفتح مغاليق القلوب.
  • التواضع يورث البركة في العمر والمال، لأن المتواضعين مشمولون بمحبة الله ورعايته.
  • التواضع هدوء ووقار، ويزيد بشاشة الوجه ويرفع من لطافة الخلق وحسن المعاملة.


المراجع

  1. "معنى التَّواضُع لغةً واصطلاحًا"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 22-12-2019. بتصرّف.
  2. "تواضع الحبيب -صلى الله عليه وسلم-"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.
  3. "نماذج مِن تواضع الصَّحابة رضوان الله عليهم"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.
  4. الشيخ صلاح نجيب الدق، "تواضع العلماء وطلبة العلم"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019.
  5. "آيات عن التواضع للمؤمنين"، الألوكة ، اطّلع عليه بتاريخ 24-12-2019. بتصرّف.
  6. "أقوال السَّلف والعلماء في التَّواضُع"، dorar، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.
  7. الشيخ صلاح نجيب الدق، "التواضع في الإسلام"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.