ثقافة الاعتذار فى الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٤٦ ، ٢٦ أبريل ٢٠٢٠
ثقافة الاعتذار فى الإسلام

الاعتذار

يعتقد البعض لا سيما في الصِغر أن الاعتذار ينشأ بطبع خاص بين الأخوة فقط، لكن عندما يكبر الفرد وينخرط في المجتمع يتعرض لبعض المواقف التي تتطلب منه الاعتذار نتيجة ارتكابه خطأ ما، ولا بُدّ في هذه المرحلة من ضرورة الوعي بالأفكار الخاصة بالتعاطف والحساسية، واكتساب القدرة على التحدث والتعبير عن المشاعر وعدم كبتها في النفس، فمن المؤكد أنه لا يوجد شخص مثالي والجميع معرض لموقف يُطلب منه فيه أن يتأسف، ولكن هذه الكلمة وحدها غير كافية؛ إذ إن الاعتذار سيكون بلا معنى إن نُطق بلا إحساس وعدم اعتراف بارتكاب الخطأ؛ فالجميع يحاولون بذل جهدهم لتجنب موقف الاعتذار ومحاولة إلقاء اللوم والمسؤولية على أي شخص آخر، وللتخلص من هذا الكبرياء لدى الشخص المذنب يجب أولًا تعلم ثقافة الاعتذار؛ فرغم أنها كلمة صغيرة؛ إلا أنها تعني الكثير للشخص المتلقي؛ فقد أثبتت الدراسات العلمية أن الاعتذار يُشكّل لدى الشخص الذي أُخطئ بحقه شعورًا تعاطفيًا مع المذنب الذي في بعض الأحيان سرعان ما يؤدي إلى المسامحة، والسبب في ذلك هو الشعور بأن الشخص المذنب أدرك خطأه وشعر بحجم الألم الذي تسبب به وأصبح راغبًا في تخلص الطرف الآخر من هذا الشعور.

عند تقديم الاعتذار يجب الانتباه إلى أمر مهم ألا وهو التوقيت المناسب؛ ففي بعض الأحيان لا بُدّ من إعطاء الأمر بعض الوقت للتخلص من الألم والغضب، ثم تقديم الاعتذار، ورغم أن الاعتذار لا يُلغي ما نُطق أو حدث؛ إلا أنه عامل أساسي في تخفيف النتائج المؤلمة التي تسبب بها المذنب، وهو فرصة تُعطي الأمل في إعادة بناء العلاقة بين الطرفين، لذا يتوجب على الجميع تعلم ثقافة الاعتذار وتطبيقها بصدق لما لها من قيمة معنوية عالية تدل على التواضع والحب والتخلص من الكبرياء[١].


ثقافة الاعتذار في الإسلام

كان الزمن الذي سبق عهد الإسلام تعمه ثقافة الجهل؛ إذ يُعد الشخص الذي يتصف بالغدر والخيانة شخصًا متفاخرًا وقويًا والجميع يخشونه، إلى أن جاء الإسلام ونُشرت تعاليمه المنبثقة عن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على يد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم - والتي كان يتلقاها من الوحي، فقد جاءت بعكس ما كان في الجاهلية؛ إذ عُرف النبي بطبعه اللطيف الذي منحه الفوز بقلوب من عرفوه ودخلوا الإسلام لما لمسوه من أخلاق دمثة في رسولهم الكريم من التواضع والكرم والصدق وغيرها الكثير، ولكن الأمر المؤسف في الوقت الحالي نسيان المسلمين للأخلاق التي يجب أن يتمتع بها المسلم والتي حثّ عليها الدين الحنيف، وباتوا مطيعين لحيّل الشيطان التي جعلتهم يرتكبون الخطأ ويجاهرون به ويمتنعون عن الاعتذار؛ إذ يوسوس لهم الشيطان باستحالة الاعتذار وأنهم لم يرتكبوا الخطأ وأن الجميع يفعلون ذلك، ولكن الأمر حقيقةً عكس ذلك؛ فارتكاب الخطأ يؤدي إلى إفساد علاقة بين شخصين، وتسبب الأنانية في عدم المواجهة ومعالجة الموقف؛ مما يؤدي إلى علاقات غير صحية سببها الكبرياء وعدم التواضع، أما في حال رغبة الفرد في تقديم الاعتذار ولكن شعور التردد والخجل يُراوده، فتوجد بعض النصائح التي تُساعد على تغلب وتجاوز هذا الأمر، وامتلاك الشجاعة الكافية للتقدم والاعتذار وهي على النحو التالي[٢]:

  • طلب المغفرة من الله تعالى: في حال الخطأ بحق شخص ما أو ظلمه واضطهاده يجب طلب المغفرة من الله جلّ وعلا، إذ إن الله سبحانه وتعالى يُحبُّ من عباده العافين عن الناس والكابحين الجماح عند الغضب، ولهم الأجر والجنة.
  • التخلص من الأنانية: فعند تقديم الاعتذار الصادق لا بُدّ أولًا من وضع الأنا جانبًا، وحتى في حال عدم الاعتقاد بالخطأ يجب الاعتذار لأن ذلك لا يدل إلا على التقدير الكبير للعلاقة، وبذلك يكون الشخص لطيفًا في حياته ومطيعًا لله سبحانه وتعالى.
  • السرعة في تقديم الاعتذار: ففي الدين الإسلامي لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم لأكثر من ثلاثة أيام، وإن مشى كل منهما نحو الآخر ليصالحه فالأجر الأكبر لمن سلّم ووصل قبل الآخر.
  • الاعتراف بالخطأ وتحمّل المسؤولية: فالنطق بكلمة آسف وحدها ليس بالأمر الكافي؛ إذ لا بُدّ من صدق الشعور وحقيقته، ولا يُضير إن نُطق اسم الشخص المعتذر له فهو أفضل.
  • مناقشة الأمر: والتحدث سويةً عما جرى محاولًا استعادة الثقة بين الطرفين.
  • إظهار الاهتمام: ويمكن القيام بذلك من خلال سؤال الطرف الآخر عما يمكن القيام به من أجل إرضائه وقبوله للاعتذار.
  • أخذ العبرة: إذ يجب تصحيح السلوك ومحاولة اكتساب الأخلاق والتعامل مع الناس بأخلاق المسلم، ويُعد هذا الأمر جانبًا من جوانب الدين الإسلامي، والمسلم المتصف بالخلق الحسن له الأجر يوم القيامة، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوصي بِحُسن الخُلق، والتعامل الجيد مع الآخرين، فضلًا عن ضرورة التصرف بالنية الحسنة، ومما لا شك فيه أن تحمل مسؤولية الخطأ ليس إلا دليل على الحكمة والتواضع والقوة وأساس للأخلاق الحميدة.


فوائد الاعتذار

رغم أن الاعتذار أمر اجتماعي وخلق لطيف وطبع مهم ومحبب إلا أنه أيضًا أُسلوب يُظهر الاحترام والتعاطف للشخص المذنب وفرصة لاعترافه بالذنب المرتكب، وإن تُرك الخطأ دون اهتمام فستتعرض العلاقة للخطر، فالاعتذار قادر على تجنب التعرض لسوء الفهم، والتخلص من غضب الآخرين، وإن قُدّم الاعتذار بنية خالصة وقوية سيُنهي الآثار السلبية المترتبة على الفعل السيئ، ومن بعض الفوائد التي يُحققها الاعتذار ما يلي[٣]:

  • التأثير على الصحة العقلية والجسدية: فقد ثبت دراسيًا أن للاعتذار آثارًا صحيةً وبدنيةً على المتلقي بمنحه نفسًا ثابتةً ومرتاحةً.
  • الشفاء العاطفي: فالشخص الذي أُخطئ بحقه ستتحسن صحته العاطفية عند علمه باعتراف المخطئ بذنبه.
  • التخلص من الشعور بالعدوانية تجاه الشخص المخطئ: فتلقي الاعتذار بمثابة التخلص من اعتبار المذنب كتهديد شخصي.
  • المساعدة على تجاوز الغضب: ونسيان ما مضى من ألم وأذى.
  • التعاطف مع المذنب عند تقديمه للاعتذار: وبالتالي التسامح والعفو عما مضى.
  • التخلص من جلد النفس وتأنيب الضمير: فعند الاعتذار يحترم الشخص ذاته ويُخلص نفسه من الشعور الدائم باللوم.
  • الرادع القوي لتجنب تكرار الخطأ: فالنفس البشرية دائمًا ما تشعر بالإهانة عند تقديم الاعتذار، فيُعد ذلك سببًا قويًا ووجيهًا لتجنب تكرار الأفعال المستدعية للاعتذار.


طريقة الاعتذار

يُعد الأسلوب والطريقة المتبعة في تقديم الاعتذار عاملًا رئيسيًّا في الحصول على القبول والتسامح واستمرارية العلاقة إيجابيًّا، وفيما يلي الخطوات الصحيحة للاعتذار بإخلاص، والتي ستؤدي إلى نتائج إيجابية[٤]:

  • طلب الإذن لتقديم الاعتذار: فبعض الأشخاص يعتذرون فورًا، والبعض الآخر يُفضل تحري الفرصة المناسبة بعد أن يشعر الطرف الآخر بالهدوء، ويكون قادرًا على سماع ما سيقوله المذنب، ورغبته في سماع تفاصيل الاعتذار للتأكد من معرفة المذنب لسبب الغضب.
  • الاعتراف مع الندم: فتقدير مشاعر الطرف الآخر وإشعاره أنه أُذنب بحقه والرغبة في إصلاح الخطأ عامل مهم وأساسي.
  • التأكيد للمعتذر له بالرغبة في فعل أي شيء: إذ يمكن تقديم ما يُرضيه وبالطريقة التي يُريدها.
  • التعهد بعدم تكرار الخطأ مرةً أخرى: وهذه من أهم الخطوات وإلا سيُعدّ ما مضى بلا فائدة.
  • طلب العفو والمغفرة: إذ يعدّ طلب العفو والصفح وإعطاء المتلقي بعض الوقت للتفكير دلالة على الندم والرغبة بأن تعود العلاقة بين الطرفين سوية.


كيف تعلّمين طفلكِ ثقافة الاعتذار؟

إن الهدف المرجوّ من تعليم طفلكِ ثقافة الاعتذار هو تعليمه اختيار الكلمات الصحيحة، وتنمية شعوره بالمسؤولية تجاه أخطائه، ويُمكنكِ تعليمه ذلك بمراعاة التالي[٥]:

  • ساعدي طفلكِ على تهدئة نفسه، إذ قد يرتكب سلوكًا غير مقبول نتيجةً لغضبه، ولن يتعلّم شيئًا إن أجبرته على الاعتذار وهو غاضب، لذا احرصي على إبعاده عن المكان الذي وقعت فيه المشكلة، ثم حاوريه بهدوء.
  • تحدّثي مع طفلك، واسمعي منه ما حدث بروايته، مع الحرص على منحه الممساحة الكافية للتعبير عن مشاعره وأفكاره.
  • بعد فهمكِ لما حدث، شجعي طفلك على التعاطف مع من أخطأ بحقه من خلال تخيل نفسه مكانه ليفهم حجم خطئه.
  • فكري مع طفلكِ في الأمر، واطرحي عليه هذا السؤال: ما الذي ستغيّره لو تمكنت من العودة بالزمن إلى الوراء؟ إذ يُعلّم هذا التمرين الطفل بالتفكير بحلول لحل المشكلة، فضلًا عن تحكّمه بردود أفعاله مستقبلًا.
  • امنحي لطفلكِ الحرية لاختيار طريقة اعتذاره للآخرين، وذلك بسؤاله عن كيف يمكنه أن يجعل الطفل الآخر بحال أفضل؟ إذ تختلف طرق الاعتذار بين الأطفال ما بين الاحتضان أو الدعوة للعب، وغيرها.


المراجع

  1. Kelsey Frizzell, "The Power of Apologizing: Why Saying “Sorry” Is So Important"، tiny buddha, Retrieved 6-2-2020. Edited.
  2. Mohammed Faris, "How a Productive Muslim Says Sorry"، the productive muslim company, Retrieved 6-2-2020. Edited.
  3. Beverly Engel, "The Power of Apology"، Psychology Today, Retrieved 6-2-2020. Edited.
  4. Maralee McKee, "How to Apologize: The 7 Steps Of a Sincere Apology"، manners mentor, Retrieved 6-2-2020. Edited.
  5. "نصائح عملية.. كيف تعلم أطفالك ثقافة الاعتذار؟"، الجزيرة، 16-4-2019، اطّلع عليه بتاريخ 6-4-2020. بتصرّف.