الفرق بين العفو والتسامح

بواسطة: - آخر تحديث: ٢١:٥٢ ، ٢٢ ديسمبر ٢٠١٩
الفرق بين العفو والتسامح

الأخلاق في الإسلام

تتمثل مكانة الأخلاق فى الإسلام بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)[المصدر: مختصر المقاصد | خلاصة حكم المحدث : صحيح]، فلخص هدف بعثته في إتمام مكارم الأخلاق، فكل رسول من الرسل بنى فى الأخلاق لَبِنات، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ليتم النقص، ويكمل البناء، ووصف الله نبيه الذي بعثه ليكمل بناء الأخلاق بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة الأخلاق فى الإسلام، فقال: ( ما مِن شيءٍ يوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخلقِ ، وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلقِ ليبلُغُ بِهِ درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ ) [صحيح الترمذي | خلاصة حكم المحدث : صحيح ] وقال: ( ألا أُخبركم بأحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ؟ فأعادها مرتَين أو ثلاثًا. قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ! قال: أحسنُكم خُلُقًا)[المصدر: صحيح الترغيب|خلاصة حكم المحدث: صحيح][١].


معنى العفو والتسامح

التسامح لغة: يدل على السهولة، والمسامحة: المساهلة، واصطلاحًا: بمعنى بذل ما لا يجب فضلًا بمعنى العفو عند المقدرة. والعفو في اللغة هو التجاوز عن الذنب، ويطابق المعنى اللغوي المعنى فى الاصطلاح: هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب، والعفو خلق إسلامي عظيم، وهو صفح الإنسان عمن أساء إليه مع قدرته على تطبيق العقوبة والاقتصاص ممن ظلمه أو سبب له الأذى والضرر، وصاحب هذا الخلق يتصف بنفس سامية، وسريرة نقية، وإرادة قوية، وقدرة عالية بالتحكم بهوى النفس، وضبط الرغبة بالإنتقام ومقابلة السيئة بالحسنة، بدلًا من مقابلة السيئة بسيئة مثلها[٢][٣][٤].


نظرة الإسلام للعفو والتسامح

وحرص الإسلام على الدعوة لهذا الخلق، وإلى تمثل قيمة العفو الصفح فى كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ففي سورة الأعراف يوجه الله تعالى، نبيه الى التحلي بهذا الخلق بقوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، ويجعل الله الجنة جزاء للمسلم الذي تخلق بخلق العفو، فكبح هوى نفسه، وكظم غيظها، وعفى لصاحب الإساءة، يقول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133، 134]، وفي توجيه عظيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أتباعه يدعوهم لخلق العفو ويحضهم على تمثل قيمة العفو عن الناس. يروي عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ثلاثٌ والذي نفسِ محمدٍ بيدهِ إن كنتُ لحالفًا عليهنَّ :لا ينقصُ مالٌ من صدقةٍ فتصدَّقوا، ولا يعفو عبدٌ عن مظلمةٍ يبتغي بها وجهَ اللهِ عز وجل إلا زاده اللهُ بها عزًّا يومَ القيامةِ، ولا يفتح عبدٌ بابَ مسألةٍ إلا فتح اللهُ عليه بابَ فقرٍ) [المصدر: نيل الأوطار| خلاصة حكم المحدث : صحيح][٤].


الفرق بين العفو والتسامح

يرادف معنى العفو التسامح من حيث المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فالتسامح هو عدم رد الإساءة بمثلها، وهو التخلي عن الحق بإيقاع العقوبة على من بادر بالإساءة، وهذا معنى مرادف لمعنى العفو، فالتسامح والعفو قيم إنسانية وإسلامية، وتمُثل الناس لهذه القيم والتحلي بهذه الإخلاق يساعد المجتمع على تجاوز المشاحنات والمشاكل، وتزداد بهما قوة التلاحم بين الناس، ويساهمان فى انتشار المحبة والتآلف، ويزيدان من تطور المجتمعات[٥].


شروط العفو والتسامح

دعوة الاسلام الى العفو والتسامح صريحة وواضحة فى كثير من الشواهد القرانية، فقال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة: 237]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم برواية أبي هريرة: (ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ، إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) [المصدر: صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح] ومن شروط القبول عند الله للعفو والتسامح لينال المسلم الاجر والثواب العظيم ما يلي[٦]:

  • إخلاص النية لله، ينوي أن عفوه عمن ظلمة غايته رضى الله سبحانه، ورغبة بالأجر والثواب من الله تعالى، يروي أبو هريرة ( أنَّ رجلًا شتم أبا بكرٍ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالِسٌ، فجعل النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعجَبُ ويبتسِمُ، فلما أكثَرَ رَدَّ عليه بعضَ قَولِه، فغَضِبَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقام، فلَحِقَه أبو بكرٍ، فقال: يا رسولَ الله كان يشتمُني وأنت جالِسٌ، فلما رددتُ عليه بعضَ قَولِه غَضِبتَ وقُمتَ، قال: إنه كان معك ملَكٌ يردُّ عنك، فلما رددتَ عليه بعضَ قَولِه وقَعَ الشيطانُ، فلم أكن لأقعُدَ مع الشَّيطانِ، ثم قال: يا أبا بكرٍ، ثلاثٌ كُلُّهنَّ حَقٌّ: ما مِن عبدٍ ظُلِمَ بمظلمةٍ فيُغضي عنها لله عزَّ وجلَّ إلا أعزَّ اللهُ بها نَصْرَه، وما فتح رجلٌ باب عطيَّةٍ يريد بها صِلَةً إلَّا زاده بها كثرةً، وما فتح بابَ مَسألةٍ يريدُ بها كثرةً إلَّا زاده الله بها قِلَّة) [المصدر: مجمع الزوائد| خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح]‏.
  • القدرة على إيقاع العقوبة، فلا يعفو بسبب ضعفه، ولا يعفو لعجزه عن أخذ حقه، وهذا المعنى الحقيقي للعفو فهو التسامح والصفح مع القدرة التامة على إيقاع العقوبة على المعتدي، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿37﴾ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿38﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴿39﴾ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿40﴾ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴿41﴾ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿42﴾ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿43﴾[الشورى]، تظهر الآيات قوة العفو عن الناس، فعفوه تلازم مع هيبته وقدرته على الانتقام، فقدم العفو والصفح على أخذ حقه.
  • ينتج عن العفو عدل وإصلاح، ولا ينتج عنه ضرر، فالعفو عن مجرم اعتاد الشر وظلم الناس ليس عدلًا، بل يجب إيقاع العقوبة عليه بهدف كف شره عن الناس.


التسامح مع غير المسلمين

التعامل مع غير المسلمين له أحكام خاصة، ومن القيم التي يتعامل بها المسلمون مع غيرهم قيمة التسامح، تظهر بالتواصل والتعامل الحسن ما دام غير المسلم لم يحارب المسلمين ولم يرفع السيف، يقول الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*)[لممتحنة: 8، 9].ومن صور التسامح[٧]:

  • حرية الاعتقاد وحرية اختيار الدين، يقول الله سبحانه في محكم التنزيل:(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].
  • المجادلة بالحسنى، للحوار والجدال آداب يلتزم بها المسلم عند الجدال والمناقشة، يقول تعالى:﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].
  • اللين والرفق بدعوة غير المسلمين للإسلام، فواجب المسلم أن يبشر الناس بالدين، ويبلغهم دعوة الله بأفضل الطرق كالحوار والإقناع، ولا يجوزاستخدام القوة لحملهم على الإسلام، يقول سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125].ويقول أيضًا: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:21، 22].
  • حسن التعامل معهم فى مختلف مجالات الحياة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ألا مَن ظلَمَ مُعَاهَدًا، أو انْتَقَصَهُ حَقَّهُ، أو كَلَّفَهُ فَوقَ طاقَتِه، أو أخَذَ مِنهُ شيئًا بِغيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، فأنَا حَجِيجُهُ يَومَ القِيامةِ) [المصدر: صحيح الجامع| خلاصة حكم المحدث: صحيح].

فالقيم العظمى التي يدعو لها الإسلام، هى قيم إنسانية حميدة، فهو دين العفو، والمغفرة، والتسامح، والعدل، والمساوة، والتواضع، وأن أجاز وشرع محاسبة المسيء وشرع العقوبات إلا أن العفو والتسامح أولى وأفضل عند الله تعالى، وقدم محمد صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للمسلمين حين عفى وغفر لأهل مكة، الذين أخرجوه وطردوه، وعذبوا أصحابة، يوم فتح مكة فعفى عنهم، وغفر لهم ما كان.


المراجع

  1. الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي (10-8-2015)، "منزلة الأخلاق في الإسلام"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  2. "معنى السَّمَاحَة لغةً واصطلاحًا"، الدرر السنية ، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  3. "معنى العفو والصفح لغةً واصطلاحًا"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 22-12-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب محمد هلال (28-8-2013)، "العفو في معيار الإسلام"، الألوكة ، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  5. "خلق التسامح في ديننا العظيم"، المسلم ، اطّلع عليه بتاريخ 16-12-2019. بتصرّف.
  6. "كيف يجمع المسلم بين العفو والمسامحة في حقه مع بقاء هيبته ومكانته في الناس؟"، الإسلام سؤال وجواب ، 30-3-2011، اطّلع عليه بتاريخ 17-12-2019. بتصرّف.
  7. أحمد لطفي السيد (11-11-2013)، "التسامح في الإسلام"، الألوكة ، اطّلع عليه بتاريخ 17-12-2019. بتصرّف.