تفسير سورة قريش وسبب نزولها

تفسير سورة قريش وسبب نزولها

سورة قريش

سورة قريش لها ارتباط في معانيها ودلالاتها مع سورة الفيل، إذ جاءت استكمالًا لما ورد فيها من مقاصد وعِبَر وحِكَم، فقد ذكر الله تعالى نعمته ومنته على أهل مكة بأن أنجاهم من الذي جاء ليضرّهم ويهدم الكعبة، وفي سورة قريش ذكّرهم الله تعالى بفضله ومنته بأن أمّن لهم طريق التجارة فلا يعتدي عليهم أحد من القبائل الأخرى، وسُميت بذلك بسبب ذكر قبيلة قريش في أولى آياتها، ومعنى قريش هو التجمع والالتئام، وقد كانوا من قبل متفرقين فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم واتخذوا من مكة مسكنًا لهم، وهذا من فضل الله عليهم.[١]


تفسير آيات سورة قريش

تضمنت سورة قريش تعداد النعم العظيمة من الله تعالى على قبيلة قريش، فبعد نجاتهم من هدم الكعبة في عام الفيل، أنعم الله عليهم بطريق تجارة آمن يغدون فيه ويروحون ولا تتعرض لهم القبائل الأخرى، وفيما يلي سنقف على تفسير آيات هذه السورة العظيمة:[٢]

  • قول الله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [ قريش: 1]: وهو ائتلاف قبيلة قريش واجتماعهم حول الحرم، وهي نعمة أنعم الله تعالى بها عليهم، فقد كانوا يعيشون بجوار الحرم آمنين مطمئنين، ولم يكن فيه زرع فاعتمدوا على التجارة، ولم يكن أحد يتعرض لهم بسوء، فهذه منّة منّ الله تعالى بها عليهم، والعجب كيف تركوا عبادة الله واتجهوا لعبادة الأصنام.
  • قول الله تعالى: {إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ } [ قريش: 2]: ثم انتقل إلى تفصيل هذا الإيلاف، وهنا أشار إلى الرحلات، فقبيلة قريش تخرج في تجارتين: في الشتاء إلى اليمن لأن الجو يكون دافئًا، والمحاصيل الزراعية متوفرة بكثرة، وفي الصيف إلى الشام لأن جوها معتدل وتكون فيها ثمار الفواكه، فيرتحلون من أجل التجارة وكسب الأموال، والذي سنَّ لهم هذه الرحلات هاشم بن عبد مناف، وهذه من النعم التي أنعمها الله تعالى عليهم.
  • قول الله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ} [ قريش: 3]: أمر من الله تعالى لهم بأن يعبدوه ويطيعوه ويشكروه على النعم التي أنعم بها عليهم، والعبادة هي لفظ يجمع كل ما أمر الله تعالى به ورضيه لعباده، ومن الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وبالشكر تدوم النعم وبالكفر تزول وتذهب، قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
  • قولا لله تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 4]: فقد منّ الله عليهم بهاتين الرحلتين بعدما عانت قريش من الضرّ والمجاعة، فاغتنوا ووزعوا أرباحهم بين أغنيائهم وفقرائهم، وآمنهم من خوف الطريق فلم تكن تتعرض لهم إحدى القبائل بالسوء، وذلك استجابة لدعوة إبراهيم -عليه السلام-، قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].


سبب نزول سورة قريش

يُعرف علم أسباب النزول بأنه العلم الذي يبحث في سبب نزول آيات القرآن الكريم والحكمة من نزولها، وهو علم مهم لتدبر وفهم آيات الله وأحكامه، فلا يمكن الوقوف على تفسير آية من آيات الله دون معرفة السبب الذي نزلت لأجله، ومن الكتب المهمة في هذا العلم كتاب الصحيح المسند من أسباب النزول لمقبل الوادعي، وكتاب الصحيح من أسباب النزول للدكتور عصام الحميدان، وكتاب التسهيل في أسباب النزول لعمرو الشرقاوي، وقد نبه العلماء إلى أن سبب نزول الآية لا يعني أنها محصورة فقط فيمن نزلت بهم، فالأحكام التي شرعها الله تعالى تجب على جميع المسلمين في كل زمان ومكان[٣]، ويرجع سبب نزول سورة قريش إلى أن الله تعالى ميّز قبيلة قريش بميزات عدة، وهي القبيلة التي ينتمي إليها الرسول الكريم، فقد خصهم بكسوة الكعبة، وسقاية الوفود التي تأتي بالحج كل عام، فضلًا عن أنَّ الميزة الفضلى هي أنه بعث منهم النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- ولذا فقد جاء في حديث النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: ( فضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا بسبْعِ خِصَالٍ، لَمْ يُعْطَها أحدٌ قَبْلَهم، ولَا يُعطَاها أحدٌ بَعْدَهم، فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا أَنِّي منهم، وأنَّ النبوةَ فيهم، وأنَّ الحِجَابَةَ فيهم، وَأنَّ السقايَةَ فيهم، ونصرهم على الفيلِ، وعبدوا اللهَ عشرَ سنينَ لا يعبُدُهُ غيرُهم، وأنزَل اللهُ فيهم سورةً مِنَ القرآنِ لم يُذْكَرْ فيها أحدٌ غيرهم لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) [ الجامع الصغير| خلاصة حكم المحدث : صحيح].[٤]


تأملات في سورة قريش

تحتوي سورة قريش على كثير من التأملات اللغوية والبيانية، وفيها من الإعجاز البياني الشيء الكثير، وقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم معجز، لا يستطيع إنس ولا جن أن يأتوا بمثله، ومن التأملات البيانية في سورة قريش:[٥]

  • معنى الإيلاف: وقد ذكر العلماء ثلاثة أوجه لهذه الكلمة، فبعضهم قال إنها بمعنى الإلف وهو لزوم الشيء، والمعنى الآخر هو إثبات الألفة مع تدبير اللطف فيه، بمعنى أن ألفة قريش كانت بلطف وتدبير من الله تعالى، والمعنى الثالث هو أن تكون بمعنى التهيئة والتجهيز، يعني أن تتجهز قريش لرحلتي الشتاء والصيف بلا انقطاع.
  • اللام في بداية كلمة إيلاف: وفيها أيضًا معانٍ متعددة تحدّث عنها العلماء، منهم من قال أنها ميم متعلقة بما قبلها يعني بسورة الفيل، وبذلك يكون فيها عطف للطف الله تعالى بنجاتهم من أصحاب الفيل وبتأمين رحلهم، والوجه الثاني أن تكون متعلقة بما بعدها، يعني أن يعبدوا الله وحده، والوجه الثالث أن تكون لام التعجب فلا تكون متعلقة لا بما قبلها ولا بما بعدها، وهو قول حكاه الزجاج والكسائي والأخفش والفرّاء وهم من أئمة اللغة، ويصبح معنى التعجب هو أن الله تعالى ألف بين قلوبهم وجمع شملهم وأمّنهم، ومع ذلك ما زالوا منغمسين في عبادة الأصنام.
  • أسلوب المقابلة: والتقابل هو ذكر المعنى وضده، فالله تعالى ذكر أنه أطعمهم بعد الجوع، وأمّنهم بعد الخوف، والجوع ضد الشبع، والأمن عكس الخوف، وهذه كلها من المقابلة في اللغة العربية.


المراجع

  1. "تفسير سورة قريش"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 1-12-2019. بتصرّف.
  2. "تأملات قصار السور سورة قريش"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 30-11-2019. بتصرّف.
  3. "كتب أسباب النزول"، islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-11-2019. بتصرّف.
  4. "أسباب النزول: قوله عز وجل " لإيلاف قريش ""، islamweb، اطّلع عليه بتاريخ 30-11-2019. بتصرّف.
  5. "وقفة بيانية مع سورة قريش"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 30-11-2019. بتصرّف.