حديث نبوي شريف عن الصداقة

حديث نبوي شريف عن الصداقة

الصداقة في الدين الإسلامي

أقر الدين الإسلامي صريحًا بالصداقة كأحد العلاقات الاجتماعية التي تربط الناس ببعضهم؛ إذ قال الله تعالى في سورة النور:{لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ}،[١]، ولكنّ الدين الإسلامي لم يترك الأمر على إطلاقه دون ضوابط في اختيار الصديق الصالح، ومن بعض خصائص الصداقة أنّها تتميز عن بقية العلاقات الاجتماعية كالزمالة أو الجيرة أو القرابة ببعد ذاتي، وهو مشاركة الأصدقاء وجدانيًا وموضوعيًا، وهذان البعدان لا ينفصلان في الصداقة، كما يجب التفريق بين الصداقة ومشروع الصداقة، فالزمالة مشروع صداقة قد يُنتج صداقة، أيّ أنّه لا يتضمن المشاركة الوجدانية.

تستند الصداقة على المشاركة، وتبادل الأفكار والمعرفة والحلول، والخروج بالنتائج والقرارات التي يتشارك فيها الأصدقاء لحل المشكلة، وتنبع الصداقة عند حصول التوازن بين الفرد والمجتمع الذي يعيشه، فإذا كان الفرد يتحلى بنمط تفكير أناني، أو الجماعة تتحلى بأنماط سلبية تتناقض مع المشاركة كأساس لصياغة الصداقات، فالنتيجة عدم وجود أرض خصبة للصداقة بمفهومها الحقيقي، وتتميز الصداقة بأنّها اشتراك بين الأشخاص وليس تطابقًا بينهم؛ إذ إنّ التطابق لا وجود له في الحياة، ولكنّ شرط الصداقة وجود قدر معين من الاشتراك والتشابه في التفكير والسلوك وجوانب أخرى، كما أنّ مفهوم الصداقة بعدي وليس قبلي، فالصداقة لا تلتصق بشخص ما إلّا بعد أن يثبت ذلك مع صديقه بوقوفه معه في الشدائد والمحن، وليس قبل ذلك.[٢]


الصداقة في السنة النبوية الشريفة

وردت في السنة النبوية الشريفة العديد من الأحاديث التي تحث على اختيار الاصداقاء، وما لذلك من أهمية في الدنيا والآخرة، وقد بينت هذه الأحاديث كيفية مجالسة الأصدقاء ومرافقتهم في السفر، وكيفية الاقتداء بهم لما لهم من أثر على من يرافقهم، وفيما يأتي سنتناول بعضًا من هذه الأحاديث، وهي كالآتي[٣]:

  • جاء في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال:[إنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، والْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أنْ تَبْتاعَ منه، وإمَّا أنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً]،[٤]، إذ قال الإمام النووي في هذا الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام، شبه الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير، للدلالة على فضل الصالحين ومجالستهم الذي يتصفون بالورع والتقوى والأخلاق، ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن مجالسه الأشرار، وأهل البدع، والنميمة.
  • جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: [المرءُ على دينِ خليلِهِ، فلينظُر أحدُكُم مَن يخالِلُ]،[٥]، إذ حث النبي صلى الله عليه وسلم على النظر بعين البصيرة إلى أمور وأوضاع من يصاحب، ويتنبه من مصادقة من لا يرضى عن دينه.
  • جاء في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: [لا تُصاحِبْ إلا مؤمنًا، ولا يَأْكُلْ طعامَك إلا تَقِيٌّ]،[٦]؛ إذ قال إلامام الخطابي في تعليقه على هذا الحديث ما نصه: حذر النبي صلى الله عليه وسلم من صحبة من ليس بتقي، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته؛ لأنّ المطاعمة توقِع الأُلفة والمودة في القلوب.


اختيار الصديق وصفاته

يقول المولى عز وجل في كتابه العزيز:{الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ[٧]، وعليه فاختيار الصديق أمر رباني بدليل الآية، وقد قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: أَيْ كُلُّ صَدَاقَةٍ وَصَحَابَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدَاوَةً إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ دَائِمٌ بِدَوَامِهِ، وفيما يأتي سنورد أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في الصديق الصالح هي كالآتي[٨]:

  • صفات الصديق رجاحة عقله، فلا خير في مصاحبة الأحمق الذي ستكون نهاية مصاحبته الوحشة والقطيعة، فقد يضر بهدف النفع.
  • صفات الصديق حسن خلقه، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: [ما شيءٌ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ مِن خُلُقٍ حسنٍ؛ فإن اللهَ تعالى لَيُبْغِضُ الفاحشَ البذيءَ]،[٩].
  • صفات الصديق تقواه وصلاحه، فاختيار الصديق الذي يتصف بالتقوى والصلاح قولًا وفعلًا، فلا يصاحب المؤمن من يجاهر بالمعصية والفسق ويصر عليهما؛ إذ قال الله تعالى:{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}،[١٠]
  • صفات الصديق الذي لا يحرص على الدنيا وتكون هي غايته الأساسية التي يسعى للوصول إليها، فالبتأكيد سيُؤثر هذا النهج على من يصاحب، ويتطبعوا بطباعه، ويسيروا على نهجه.
  • صفات الصديق الصادق في أقواله وأفعاله، فمصاحبة الكذاب كالسراب الذي يقرب البعيد، ويبعد القرب دون أيّ وجود لذلك في الحقيقة؛ إذ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}،[١١]


الأصدقاء في العالم الافتراضي

لا يقتصر اليوم اختيار الأصدقاء في الأحياء أو المدن أو العمل، ولكنّ اليوم ثمة صداقات لا تُبنى وجهًا لوجه، إنّما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي توفرها العديد من مواقع الإنترنت، أو ما يُسمى بالعالم الافتراضي، وهي كثيرة جدًا لا حصر لها سواء كانت مسموعة أو مرئية أو مكتوبة، وبناءً ما تقدم فإنّ ما ينطبق على الصفات التي يجب أن يتحرى كل منا عنها في اختيار الصديق الواردة في الفقرة السابقة، لا بدّ أن ينطبق في العالم الافتراضي المشار إليه، لا بل يجب أن يكون الشخص أكثر دقة فيها لما نحن اليوم في أمس الحاجة لذلك، فالحوادث التي أدت لهدم أسر بأكملها، وإفساد البيوت كثيرة في هذا المقام، بسبب عدم الانتباه من أولياء أمور الأبناء على سهولة بناء العلاقات في هذا العالم، والأهم من ذلك أنّ هذه العلاقات تُبنى دون أيّ قيود أو ضوابط، وعليه يجب الرجوع للأصول الشرعية في اختيار الأصدقاء عبر هذه المواقع.[١٢].


ما واجبكِ تجاه صديقاتك؟

  • النصيحة الصادقة، فمن واجبكِ تقديم النصيحة لصديقاتكِ عندما يحتجنها، وعدم التواني في تقديمها دون أي مجاملة أو نفاق أو تزوير للحقائق.
  • الوفاء، وذلك بإخلاصكِ للعلاقة التي تجمعكنّ، فلا تخونينهنّ في حضورهن ولا في غيابهنّ، ولا في القول ولا في الفعل.
  • الصدق، فكلمة الصديق مأخوذة من الصدق، ولا تصلح أي علاقة صداقة إذا لم يكن أساسها الصدق والتصديق بين الطرفين، فاحرصي على قول كل الصدق لصديقاتكِ.
  • الوقوف إلى جانبهنّ في الأزمات، وذلك بدعمهنّ عند تعرّضهنّ لأي أزمة مهما كانت صغيرة أو كبيرة وتقديم الدعم المادي والنفسي لهن متى احتاجن إلى ذلك.
  • مساعدتهن على السير في طريق الهدى والحق، والأخذ بيدهنّ ليبقين في طريق الله وتذكيرهن به إذا ابتعدن عنه.


المراجع

  1. سورة النور، آية: 61.
  2. صبري محمد خليل، "مفهوم الصداقة بين العلم والفلسفة والدين"، drsabrikhalil، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  3. صلاح نجيب الدق (29-12-2015)، "الصداقة"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  4. المحدث مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: 2628، صحيح.
  5. المحدث ابن حجر العسقلاني، في الأمالي المطلقة، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 151، حسن .
  6. المحدث السيوطي، في الجامع الصغير، عن أبو سعيد الخدري، الصفحة أو الرقم: 9789، صحيح.
  7. سورة الزخرف، آية: 67.
  8. صلاح نجيب الدق (22-3-2018)، "الصداقة"، midad، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
  9. المحدث الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبو الدرداء، الصفحة أو الرقم: 2002، حسن صحيح.
  10. سورة الكهف، آية: 28.
  11. سورة التوبة، آية: 119.
  12. "ضوابط اختيار الصديق في (ظلال آية) "، islamway، 21-5-2015، اطّلع عليه بتاريخ 15-12-2019. بتصرّف.
1411 مشاهدة