ماذا يفعل الميت في قبره

ماذا يفعل الميت في قبره

الموت

يُعدّ الموت حقيقةً لا يمكن إنكارها أبدًا، إذ يقول في ذلك الله تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ البقرة: 28]، فالموت هو الأمر الحتمي الذي لا مناص منه، فلو كان لبشرٍ أن يبقى على قيد الحياة لكان أولى البشر بذلك سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام-، ومن بعده أنبياء الله وعباده الصالحين؛ إذ يقول ربّ العزة في محكم التنزيل: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، كما أن الموت من أصعب الشدائد، وأشد اللحظات؛ فشبهها الله تعالى بالسكرات لما فيها من شدّة، إذ قال: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [ق: 19]، والحاصل من ذلك أن الموت كأسٌ لا بدّ من الشرب منه، وليس فيه للبشر حولٌ ولا قوّة، وهذا سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- يخبرنا بذلك قائلًا: (أتاني جبريلٌ، فقال: يا محمدٌ! عشْ ما شئتَ فإنكَ ميتٌ، وأحببْ منْ شئتَ فإنكَ مفارقُهُ، واعملْ ما شئتَ فإنكَ مجزيٌّ بهِ، واعلمْ أنْ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ، وعزَّهُ استغناؤهُ عنِ الناسِ) [الجامع الصغير| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، إضافةً لذلك فقد أخبرنا الله تعالى ونبيه المصطفى بالكثير من أحوال الموت والموتى، بما في ذلك مرحلة الدفن والمكوث في القبر، وهذا محور حديثنا في هذا المقال[١].


ماذا يفعل الميّت في قبره

عند الحديث عن الموت وما يتبعه من أحداث، وأهوال، ونعيم، وجحيم، لا بد للمسلم أن يُصدّق ما جاء به القرآن الكريم، وما ذكره لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفيما يخص حياة الميت في قبره فتسمى هذه المرحلة من حياة الإنسان حياة البرزخ، إذ يقول الله تعالى في ذلك: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99-100]، ويقول علماء التفسير في معنى البرزخ في الآية السابقة، أنها المرحلة الفاصلة بين الموت والبعث، وهي المرحلة التي يقضيها الميّت في قبره، أما عن حال الميت وفعله في القبر فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: (إذا قُبِرَ الميتُ أتاهُ مَلَكانِ أسودانِ أزرقانِ، يُقالُ لأحدِهما: المُنكَرُ، وللآخَرِ: النَّكيرُ، فيقولانِ لَهُ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ مُحمَّدٍ؟ فهُوَ قائِلٌ ما كانَ يقولُ، فإنْ كانَ مؤمنًا قالَ: هُوَ عبدُ اللهِ ورسولُهُ، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولانِ لَهُ: إنْ كُنَّا لَنعلَمُ أنَّكَ لَتقولُ ذلِكَ، ثُمَّ يُفسَحُ لَهُ في قبرِهِ سبعونَ ذِراعًا في سبعينَ ذِراعًا، ويُنوَّرُ لَهُ فيهِ، فيُقالُ لَهُ: نَمْ، فينامُ نَومِ العَروسِ الَّذي لا يُوقِظُهُ إلَّا أحُّب أهلِهِ إليهِ، حتَّى يبعَثَهُ اللهُ مِن مَضْجَعِهِ ذلِكَ، فإنْ كانَ مُنافِقًا قالَ: لا أَدْري، كُنتُ أسمِعُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فكُنتُ أقولُهُ، فيقولانِ لَهُ: إنْ كُنَّا لَنعلَمُ أنَّكَ تقولُ ذلِكَ، ثُمَّ يُقالُ للأرضِ: الْتَئِمي عليهِ، فتلتَئِمُ عليهِ، حتَّى تختلِفَ أضلاعُهُ، فلا يزالُ مُعذَّبًا حتَّى يبعَثَهُ اللهُ تعالى مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ) [تخريج شرح السنة| خلاصة حكم المحدث: حسن]، ومن هنا يتضح لنا جليّا أن أحوال الناس بالقبر على ضربين، فالقسم الأول متقلّبون في نعيم الله تعالى ورضوانه حتى تقوم الساعة، والقسم الآخر في سخطٍ وعذاب حتى يوم القيامة.

كما أن بعض من أنكر عذاب القبر قد جانبه الصواب في ذلك، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [ غافر: 44-46]، وقد ورد في ذلك أيضًا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَرَّ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ علَى قَبْرَيْنِ فقالَ: أما إنَّهُما لَيُعَذَّبانِ وما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ، أمَّا أحَدُهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأَمَّا الآخَرُ فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِن بَوْلِهِ، قالَ فَدَعا بعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ باثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ علَى هذا واحِدًا وعلَى هذا واحِدًا، ثُمَّ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يُخَفَّفُ عنْهما ما لَمْ يَيْبَسا، وفي رواية: وكانَ الآخَرُ لا يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَوْلِ، أوْ مِنَ البَوْلِ) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، لذا فالواجب على المسلم التصديق بما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من حال أهل القبور، وما في ذلك من نعيمٍ، أو جحيم، كما أنّ الواجب أن يسعى كل واحدٍ للذود عن نفسه، والعمل بما يرضي ربّه، وينال بذلك رحمته[٢][٣].


ما ينفع الميت في قبره

من رحمة الله بنا أن جعل بين أحياء المسلمين وأمواتهم صلة وثيقة، فهي قائمة على أن الأموات ينتفعون ببعض الأعمال التي تصلهم من الأحياء، إذ يقول في ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ويقول أيضًا في الحديث الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه-: (إنَّ الرَّجلَ لتُرفَعُ درجتُه في الجنةِ فيقولُ: أنَّى هذا؟ فيقالُ: باستغفارِ ولدِك لكَ) [صحيح ابن ماجه| خلاصة حكم المحدث: حسن]، كما يروي سعد بن عبادة أنه قال: ( يا رسولَ اللهِ! إنَّ أمي ماتت، أفأتصدقُ عنها؟ قال: نعم، قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: سقْيُ الماءِ) [صحيح النسائي| خلاصة حكم المحدث: حسن]، لذا فالواجب على من مات له قريبٌ أو عزيز أن يبادر له بالصلة في قبره بالاجتهاد في الدعاء له، وطلب المغفرة من الله، وعتقه من النار، وما إلى ذلك من أدعية مباركة تُسعد الميت في قبره، وترفع من منزلته عند ربّه، كما أن الصدقات لها أثرها الكبير على الميت في قبره، كذلك الحج والعمرة، والصوم أيضًا، فقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (كنتُ جالِسًا عندَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذ أتتْهُ امرأةٌ فقالت يا رسولَ اللَّهِ إنِّي كنتُ تصدَّقتُ على أمِّي بجاريةٍ وإنَّها ماتت قالَ وجبَ أجرُكِ وردَّها عليكِ الميراثُ قالت يا رسولَ اللَّهِ كانَ عليها صومُ شهرٍ أفأصومُ عنها قالَ صومي عنها قالت يا رسولَ اللَّهِ إنَّها لم تحجَّ قطُّ أفأحجُّ عنها قالَ نعم حُجِّي عنها) [صحيح الترمذي| خلاصة حكم المحدث: صحيح][٤].


المراجع

  1. "الموت"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 14-12-2019. بتصرّف.
  2. "الحياة في القبر"، binbaz، اطّلع عليه بتاريخ 14-12-2019. بتصرّف.
  3. "حياة البرزخ"، islamway، اطّلع عليه بتاريخ 14-12-2019. بتصرّف.
  4. "ماذا ينفع الميت بعد موته وهل يسمع خطاب الأحياء"، islamqa، اطّلع عليه بتاريخ 14-12-2019. بتصرّف.
431 مشاهدة