الفرق بين توحيد الألوهية والربوبية

الفرق بين توحيد الألوهية والربوبية

الفرق بين توحيد الألوهية والربوبية

يُعدُّ توحيد الربوبيَّة وتوحيد الألوهيَّة قسمان من أقسام التوحيد الثلاثة، ويجتمعان على الإيمان بالله -عز وجل-، ويُقصد بتوحيد الربوبيَّة: الإيمان بتفرُّد الله تعالى بأمور الخلق والرزق والملك والتدبير، وما يشابهها من الأفعال التي اختُص بها -جل علاه- دون خلقه، أمَّا معنى توحيد الألوهيَّة: فهو تفرُّد الله في استحقاق العبادة بحيث تُقام له فقط دون سواه، وفيما يلي أهم الفروقات بين هذين القسمين بتفاصيل حيثياتهما[١]:


من ناحية الاشتقاق

بالرجوع إلى كتب اللغة والبحث في الأصول اللغويَّة نجد أنَّ كلمة (الربوبيَّة) مشتقة من اسم الله الرب، وقد قال صاحب الصِّحاح في هذا اللفظ: "رب كل شيء: مالكه، والرب: اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، ورَبّ الضيعة، أي أصلحها وأتمها، ورَبّ فلانٌ ولدَه أي: ربّاه"، وأمَّا كلمة (الألوهيَّة) فهي مشتقة من الإله، وقد قال صاحب معجم مقاييس اللغة في هذا اللفظ: "الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبُّد، فالإله: الله تعالى وسُمِّي بذلك لأنَّه معبود، ويقال: تألّه الرجل إذا تعبَّد".


من ناحية المتعلّق

فتوحيد الربوبيَّة، يتعلق بالأفعال الإلهيَّة كالخلق والتدبير والإحسان والرحمة والنفع والضر وغيرها من الأفعال التي تخُص الرحمن، ويكمن التوحيد بالإيمان باختصاصه وتفرُّده بهذه الأفعال، والجزم بعجر أي أحد عن فعلها، أمَّا توحيد الألوهيَّة فيتعلق بأفعال العباد بمعنى أن يُفرد العُبَّاد الله -عز وجل- بهذه الأفعال والعبادات، ولا يتوجهون بها لغيره من العبادات الباطلة كعبادة الأصنام، وما نحوها سواء بالعبادات الظاهرة كالحج والصلاة والصيام، والعبادات الباطنة كالرجاء والتوكل والاستغاثة.


من ناحية الإقرار

أقرَّ معظم المشركين وأهل الكفر بتوحيد الربوبيَّة، ولم يخرج عن هذا الإقرار سوى قلَّة من أهل الإلحاد، ويُعدُّ هذا الإقرار إقرار إجمالي ناقص ولو كان كاملًا لوجههم هذا الإيمان لإفراد الله بالعبادة، أمَّا توحيد الألوهيَّة فلم يُقر به أهل الشرك، ورفضوا أن يُفردوا الله -عز وجل- بالعبادة، بل وجعلوا للأصنام والعبادات نصيب من أعمالهم وصلاتهم وأضاحيهم.


من ناحية الدلالة

يرجع توحيد الربوبيَّة لمدلولٍ علمي وأنَّه متعلق بالمعتقد والعلم أكثر من الفعل، وهو العلم بأنَّه لا يوجد خالق في الكون سوى الله ولا رازق إلا هو، ويُسمَّى بالتوحيد العلمي الخبري، أمَّا توحيد الألوهيَّة فمدلوله عملي متعلق بأفعال العباد، وأن يجزم العبد بأنَّه مكلَّف بإقامته للعبادات لله وحده دون إشراك فيه.


من ناحية دخول الإسلام من عدمه

إنَّ الإقرار بإسلام من يؤمن ويوقن بأنَّ الله لا خالق ولا رازق سواه وأنَّه تفرد في جميع أفعاله لا يصح، أي لا يكون الإنسان مسلمًا لإقراره بتوحيد الربوبيَّة فقط، فالمشركين قد أقرُّوا بهذا القسم من التوحيد ولم يكونوا مسلمين، لذا لا بُدَّ من توحيد الألوهية، وهو من أفرد الله بالعبادة وترك طرق الشرك، وهنا يحكم بالإسلام.


من ناحية ما يستلزمه وما يتضمّنه كلٌّ منهما

إنَّ توحيد الربوبيَّة يستوجب توحيد الألوهيَّة لأنَّ الإله بهذه الرتبة من الكمال في الربوبيَّة، والتفرُّد في الرزق، والإنعام هو المستحق للإفراد في العبادة، وكذلك توحيد الألوهيَّة يتضمن توحيد الربوبيَّة لأنَّ من أفرد الله تعالي بالعبادة، فهو موقن بتفرُّد الله في الخلق والملك والتدبير.


كيف يرتبط توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية؟

بيَّن بعض أهل العلم هذه العلاقة بقولهم: "هي علاقة تلازم وتضمن وشمول"، فكما تحدثنا سابقًا توحيد الربوبيَّة مستلزم لتوحيد الألوهيَّة وتوحيد الألوهيَّة يتضمن توحيد الربوبيَّة، فالعبد المُقر بتوحيد الربوبيَّة، وعرف أنَّ الله -عز وجل- هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيَّته يلزمه أن يقر بعد ذلك بإفراده لعبادة الله -سبحانه وتعالى-، وقد قُرنتْ آيات الربوبيَّة بآيات الدعوة لتوحيد الألوهيَّة، ومن هذه الآيات قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[٢].


وتوحيد الألوهيَّة يشمل توحيد الربوبيَّة لأنَّ من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، فهو عبد يدل ضمنيًا أنَّه أقر بأنَّ الله هو ربه ومالكه ولا رب سواه، وكونه أفرد العبادة لله، ولم يوجه أي شيء منه لغيره، فهو مقِر ومجزم بتوحيد الربوبيَّة، ولا رب، ولا متصرف، ولا مالك إلا الله وحده[٣].


أمثلة على توحيد الألوهية والربوبية

فيما يلي بعض الأمثلة على كلا القسمين[٤][٥]:


مثال على توحيد الألوهية

يتمثل بمعنى "لا إله إلا الله"، وهو أن لا معبود له الحق في العبادة إلا الله، وأن يخص العبد الله بالأفعال والعبادات في خلواته ولا يدعو معه إلهًا آخر، فلا يشرك في عبادته الأصنام أو الأشجار أو الأنبياء أو أي أولياء غير الله، كقول البعض: (يا رسول الله اشفني، أو انصرني، أو أيًا كان مراده)، أو غيره من ما ذكرنا، ومن يفعل ويدعوا مع الله أيًا كان فقد وقع في الشرك الأكبر، وهذا التوحيد الذي أنكره المشركون ورفضوه، ولما قيل لهم قولوا: لا إله إلا الله، استنكروا، وتعجبوا، وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}[٦].


مثال على توحيد الربوبية

هو أن يؤمن العبد بصفات الفعل المختص بالله، كالخلق والرزق والتدبير، وأنَّ إرادة الله واقعة، وقدرته شاملة، وأنَّه هو خالق الأرض والسماوات، ومصرف الأمور، وخالق كل ما في الأرض والسماء من بحار وأنهار وجبال وكل شيء موجود في الكون، وقد أشارت السنة النبوية لهذا النوع من التوحيد في حديثه الشريف -صلى الله عليه وسلم-: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)[٧].


المراجع

  1. "فروقٌ بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية"، إسلام ويب، 15/6/2014، اطّلع عليه بتاريخ 21/3/2021. بتصرّف.
  2. سورة البقرة، آية:21
  3. "العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد"، الدرر السنية، اطّلع عليه بتاريخ 21/3/2021. بتصرّف.
  4. د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني (3/9/2018)، "معنى توحيد الربوبية"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 21/3/2021. بتصرّف.
  5. "بيان أنواع التوحيد والفرق بينها"، الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 21/3/2021. بتصرّف.
  6. سورة ص، آية:5
  7. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن عبدالله بن عباس وأبو سعيد الخدري وعبدالله بن جعفر، الصفحة أو الرقم:7957 ، صحيح.
362 مشاهدة