شرح حديث المؤمن القوي

شرح حديث المؤمن القوي

حديث المؤمن القوي

جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رحمه الله أنّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال:[الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وإنْ أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُلْ لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ][١]، إذ جاء في الحديث بعض الثوابت والمسلّمات التي يجب على المؤمنين حقًا الالتزام بها والسير في حياتهم الدينية والدنيوية عليها، وأولها الأمر بأخذ الأسباب المرتبطة بالاستعانة بالله، وكذلك التسليم لأمر الله، كما أنَّ من ثوابت الحديث أن الإيمان يكون في المعتقدات القلبية والفعلية والقولية، وأخيرًا الإيمان بأن المؤمنين يختلفون في خيرهم ومحبتهم لله، أي أنهم في هذا الأمر متفاوتون لدرجات[٢].


شرح حديث المؤمن القوي

الحديث تحدّث عن نوعين من المؤمنين: المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف، وقد يبدو للبعض أنّ القوة في هذا المقام هي القوة البدنية وحسب، ولكن القوة المقصودة في الحديث حسب تفسير علماء الحديث هي قوة في عدة وجوده؛ كقوة العلم، وقوة الطاعة لأوامر الله، وقوة الرأي واقامة الحجة، وقوة الإرادة في فعل الخيرات، أما قوة البدن فهي محمودة إذا كانت تعين صاحبها وتساعده على إظهار الحق والإحسان، أي أن استعمال قوة البدن فيما يحبه الله ويرضا عنه في جميع الأعمال التي يؤديها المؤمن، فهل لنا أن نتصور كيف تكون قوة البدن سببًا في التكبر والبطش والاعتداء على الآخرين؟، إذ قال الإمام النووي في تفسيره للقوة ما نصه: (والمراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلبًا لها ومحافظةً عليها، ونحو ذلك)، وفي تفسير لمحمد بن عبد الهادي السندي لمعنى القوة في الحديث يقول: "((المؤمن القوي) أي: على أعمال البر ومشاق الطاعة، والصبور على تحمل ما يصيبه من البلاء، والمتيقظ في الأمور، والمهتدي إلى التدبير والمصلحة بالنظر إلى الأسباب واستعمال الفكر في العاقبة)[٣].


الفوائد المستنبطة من الحديث

للحديث الشريف العديد من الفوائد استنبطها العلماء منه كالآتي[٢][٤]:

  • بين العلماء في تفسيرهم للحديث أنّ الخير موجود عند المؤمنين جميعًا، وفي كلّ مؤمن خير، ولكنّهم يتفاوتون في إيمانهم ومنازلهم، وكلّما كان أيمان المؤمن أقوى في أعماله وعباداته وعمله الصالح؛ كلما كان أقرب وأحب إلى الله تعالى.
  • بيّن العلماء في تفسيرهم للحديث أنّ على المُؤمن أن يكون قويًا في جميع جوانب حياته، وهمّته عالية في دينه ودنياه، وذلك عندما نأخذ المعنى العام للحديث، فالمؤمن يجب أن يكون قويًا في توحيده لله عز وجل، وفي توكله على الله، ويتمم ذلك في النوافل التي تقربه إلى الله، وقويًا في أداء الفروض من زكاة وصيام، فيؤديها على أكمل وجه، وقويًا في أعمال دنياه؛ أي يحسن في نتيه تجاه الكسب الحلال، وأن يصدق في نفع غيره بأعماله الدنيوية.
  • جاء في العديد من مواضع القرآن الكريم الحث على القوة في الأعمال، إذ جاءت جميع الأوامر الشرعية بالاستمساك بدين الله بقوة، وفي المقابل ذمت عبادة الله بفتور وضعف مصداقًا لقوله تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[٥]، كما قال الله تعالى:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}[٦]، كما جاء في الحديث الذي رواه العرباص بن سارية أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: [أُوصيكُمْ بِتقْوَى اللهِ، والسَّمعِ والطاعةِ، وإنْ أُمِّرَ عليكم عبدٌ حبَشِيٌ، فإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنكمْ بَعدِي فسَيَرَى اخْتلافًا كثيرًا، فعليكُمْ بِسُنَّتِي وسنَّةِ الخُلفاءِ المهديِّينَ الرَّاشِدينَ، تَمسَّكُوا بِها، وعَضُّوا عليْها بالنَّواجِذِ، وإيّاكُمْ ومُحدثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحدَثةٍ بِدعةٌ، وكلَّ بِدعةٍ ضلالَةٌ][٧].
  • جاء في الحديث توصية من الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وهي وصية جامعة مانعة، ومفادها الاجتهاد في تحصيل ما ينفعهم، وذلك في أمورهم الدينية والدنيوية، ولكن إذا تعارضت المنفعة الدينية مع المنفعة الدنيوية، فالأسلم تقديم المنفعة الدينية كون الدين إذا صلح فإن الدنيا ستصلح، وفي المقابل إذا صلحت الدنيا مع فساد الدين، فإنه محكوم عليها بالفساد.
  • جاء في الحديث أنه بعد الحرص وبذل الجهد والاستعانة بالله لا يُقال "لو أنا فعلنا لكان كذا"، إذ إن أمرًا كهذا يفوق قدرة وإرداة الإنسان، فالأصل فعل ما يؤمر به المؤمن، والله غالب على أمره، فكلمة "لو" تفتح الوسواس والهم والحزن، وإنما القول ما ورد في الحديث الذي يعني أن ما حصل هو من تقدير الله وقضائه، وما شاء الله في فعله.


من أين تأتي القوة والعجز عند المؤمنين

تأتي القوة من الإيمان والتّمسّك به كما جاء في الحديث، فمبدأ الإسلام هو من يدفع المسلم للتضحية والصبر وتقديم الغالي والنفيس من أجله وفي سبيل دعوته، وكذلك تأتي القوة من قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك من الأخلاق العالية التي يكون المؤمن فيها قويًا، فيقدم على فعل الخير ويصبر ويحتسب عند الله، ويرحم ويساعد وينشر الطاقة الإيجابية للجميع، كما أنّ القوة تأتي من الابتعاد عن الأمور التافهة التي تدعو للحسد والحقد من أجل الحصول على أمور دنيوية كالمناصب والجاه، فالتواضع والحلم قوة، والمتواضع والحليم لا يأبه لتعدي الناس عليه؛ إذ إنه أكبر من هكذا سفاسف، والعجز يأتي من عدم التوكل والاستعانة بالله العزيز الحميد، فالبعض يعتبر أن أخذه بالأسباب يكفيه، إلا أن الأخذ بالأسباب دون الحزم والعمل والاستعانة بالله لا يكفي، كما أنّ العجز يأتي بتتبع أحوال الناس وكشف عيوبهم وعدم الستر عليهم، وإلقاء اللوم على الظروف الخارجية والآخرين في عجزه وفشله، ويأتي العجز من الأنانية وعدم الاعتراف بالخطأ وتصويبه، وفي الوقوع في الهم والحزن، وأخيرًا يأتي العجز من استصغار الإنسان لنفسه؛ فيستكين ظنًا منه ألا قدرة له على النجاح وعمل الخير والاستعانة بالله، فيذهب ويلتصق بالآخرين للخروج من ضعفه ظنًا منه أنهم سيمنحونه القوة دون أن يكون مصدرها في داخله وإيمانه [٨].


المراجع

  1. رواه مسلم ، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 2664 ، صحيح.
  2. ^ أ ب "شرح الحديث"، dorar، اطّلع عليه بتاريخ 7-12-2019.
  3. "شرح حديث ( المؤمن القوي … ) وبيان معنى القوة فيه"، albetaqa، اطّلع عليه بتاريخ 7-12-2019.
  4. عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري (7-10-2016)، "حديث: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف "، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 7-12-2019.
  5. سورة الزخرف ، آية: 43.
  6. سورة مريم ، آية: 12.
  7. رواه الألباني ، في صحيح الجامع، عن العرباض بن سارية، الصفحة أو الرقم: 2549 ، صحيح .
  8. محمد العبدة (8-6-2009)، "من كنوز السنة ... المؤمن القوي"، almoslim، اطّلع عليه بتاريخ 7-12-2019.
396 مشاهدة