الفرق بين الزواج المدني والزواج الشرعي

الفرق بين الزواج المدني والزواج الشرعي

الفرق بين الزواج المدني والزواج الشرعي

ظهر أوّل مفهوم للزواج بعد الثورة الفرنسية مباشرة، على يد بورتاليس بعد إعلان الدستور الفرنسي الجديد، وعرفه على أنه: "شراكة تجمع بين المرأة والرجل للحفاظ على استمرارية النسل، وليُساعد كلٌّ منهما الآخر بالمعونة المتبادلة لحمّل أعباء الحياة، وليتقاسماأقدارهما المشتركة"، لكنّ هذا المفهوم لم يسلم من النقد؛ لأنّه ركّز على إنجاب الأولاد.


بعد ذلك عرّف بودان الزواج المدني بأنّه: "الاتفاق الذي بواسطته يتحد شخصان من جنسين مختلفين في مقاديرهما مدى الحياة تحت لواء الزواج"، لكنّ هذا التعريف لا يجعل الإنجاب هدفًا أساسيًّا للزواج بل يركّز فقط على قيام الرابطة الزوجية، تحت مظلة القانون، وقد بيّن تعريف الزواج بعد الثورة الفرنسية والدول الأوروبية أنّ الهدف منه ليس إنجاب الأولاد؛ بل التركيز على أموال الطرفين والأمور المادية بينهما[١].


أمّا الزواج الشرعي فيُعرَف بأنّه العقد الذي يمنح لكلا الزوجين حق الاستمتاع بالآخر، بالوجه المشروع، وعرّفه العلامة ابن العثيمين بأنّه: "(تعاقد بين رجل وامرأة، يقصد به استمتاع كلٍّ منهما بالآخر، وتكوين أسرة صالحة ومجتمع مسلم، ومن هنا نأخذ أنه لا يقصد بعقد النكاح مجرد الاستمتاع، بل يقصد به مع ذلك معنى آخر، هو: تكوين الأُسر الصالحة، والمجتمعات السليمة، لكن قد يغلب أحد القصدين على الآخر لاعتبارات معينة، بحسب أحوال الشخص"[٢].


الفرق بين العقد المدني والعقد الشرعي

ليس هناك صيغة نصّيّة يجب توثيقها عند كتابة العقد، بل إنّ التركيز يكون منصبًّا على أركان العقد، وهي حضور ولي المرأة أو وكيل عنه، والإيجاب والقبول، أي أن يقول للزوج زوجتك ابنتي أو موليتي، ويقول الزوج قبلت، ويشهد على هذا شاهدان عدلان، وأن تنتفي الموانع مثل أن تكون المرأة في عدة الطلاق أو الوفاة، وأن يوثّق في الدوائر الرسمية؛ حفظًا لحقوق الطرفين[٣].


بالنسبة لعقد الزواج المدني فهو وثيقة إن استوفتْ شروط عقد النكاح الشرعي المذكورة سابقًا، فإنّه يُعدُّ عقدًا شرعيًّا صحيحًا، كما أنّه يصحُّ من دون مَهر، والدليل قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً}[٤][٥].


فوائد مشروعية الزواج في الإسلام

بيّن القرآن الكريم في الكثير من الآيات أهمية الزواج، مثل قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}[٦]، وأكدّت السنة النبوية على فوائد الزواج في الكثير من الأحاديث، واعتنى الفقهاء في بيان أحكامه وشروطه وفوائده عنايةً كبيرة؛ لما له من فوائد للمجتمع بأكمله، ومن فوائد مشروعية الزواج نذكر ما يلي[٧]:

  • حفظ الزوجين وصيانتهما، والحفاظ على عفّتهما، ومنعهما من الاستمتاع المحرم الذي يفسد المجتمعات، ويهدم الأخلاق والسمعة، وأكّد الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك في حديثه: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنَّه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)[٨]، ولو لم يكن مشروعًا؛ لكان من الصعب التعامل مع غريزة الشهوة الموجودة عند كل البشر.
  • استمتاع الزوجين ببعضهما، والانتفاع بالحقوق والعِشرة،؛ فالرجل يكفل للمرأة أن يُنفق عليها بالمعروف، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}[٩]، والمرأة تكفُل للرجل القيام بما يلزم في البيت، وتربية الأولاد، وحفظ مال زوجها، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (والمرأة راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم)[١٠].
  • بَقاء النوع الإنساني بطريقة سليمة، ورفع الإنسان من الغريزة البهيميَّة إلى الحياة الكريمة؛ لأنّ الزواج سببٌ للحفاظ على النسل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}[١١]، ولولا الزواج لفُنِيَّ الإنسان، أو وُجِدَ من علاقات محرّمة، لا يُعرف أصله ولا أخلاقه.
  • إنجاب الأطفال وهم زِينة الحياة الدنيا، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[١٢]، ويستعين بهما الأهل بعد تقدّمهما في السن، ويستعينان بدعائهما بعد موتهم، قال -صلى الله عليه وسلّم-: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)[١٣].
  • زيادة أعداد المسلمين وتقويتهم، وهو مقصدٌ شرعي أكّدته السنة النبوية، والدليل أنّ معقل بن يسار قال: (جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا)، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)[١٤].
  • إحكام الصِّلة بين العائلات؛ لأنّه بالزواج يحصل التعارف والتقارب والاتصال بين الأسر؛ لهذا جعل الله تعالى النسب قسيمًا للصهر في قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}[١٥].
  • حُصول الأنس والسّكن والراحة النفسيَّة بين الأزواج؛ قال سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[١٦]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}[١٧]، وبيّن ابن كثير أنّ معنى الآية: ليسكن بها ويألفها.

أسئلة تُجيب عنها حياتكِ

ما سلبيات الزواج المدني؟

من أبرز سلبيات الزواج المدني ما يأتي[١٨]:

  • الطلاق فيه صعب، ويجب على الزوجين الانتظار ثلاث سنوات قبل الطلاق الرسمي.
  • يُقبل الطلاق فقط عند خيانة أحد الزوجين.
  • التحايل على القانون من أجل تغيير الطائفة أو الدين لإتمام عقد الزواج أو الطلاق.
  • إذا كان الزوجين من طائفتين مختلفتين وتوفّي أحدهما، فإنّ الآخر لا يرثه.
  • لا يُعترَف بعقد الزواج المدني في المحاكم إذا كان الزوجين من طوائف مختلفة.


هل الزواج المدني حلال؟

إذا لم تتوفّر في عقد الزواج المدني شروط النكاح الشرعي، التي تحفظ الحقوق وتمنع التلاعب من الطرفين، أو إذا ترتّب عليه أمور باطلة تتعلّق بالطلاق أو غيره، فإنّه لا يجوز، وإذا كان من الصعب توثيق عقد النكاح الشرعي، فإنّه لا بدّ من الالتزام بشروطه، كأن يكون المسلم في بلاد الغرب[١٩].


المراجع

  1. عبد الفتاح كبارة، الزواج المدني دراسة مقارنة، صفحة 85-84. بتصرّف.
  2. مهنا نعيم نجم، "تعريف الزواج وحكمه"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2021. بتصرّف.
  3. "صفة العقد الشرعي للنكاح"، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2021. بتصرّف.
  4. سورة البقرة، آية:236
  5. "العقد المدني والنكاح بدون تسمية المهر"، إسلم ويب، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2021. بتصرّف.
  6. سورة النساء، آية:3
  7. عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي، "مشروعية الزواج وفوائده"، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2021. بتصرّف.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:5066، صحيح.
  9. سورة النساء، آية:34
  10. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم:4491، صحيح.
  11. سورة النساء، آية:1
  12. سورة الكهف، آية:46
  13. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:3653، صحيح.
  14. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج زاد المعد، عن معقل بن يسار، الصفحة أو الرقم:229، حسن.
  15. سورة الفرقان، آية:54
  16. سورة الروم، آية:21
  17. سورة الأعراف، آية:189
  18. "اتجاهات الشباب نحو الزواج المدني (دراسة ميدانية على عينة من طالب قسم علم الاجتماع)"، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، 2017، العدد 5، المجلد 39، صفحة 10 - 11. بتصرّف.
  19. "حكم الزواج المدني"، الإسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2021. بتصرّف.
392 مشاهدة