ما سبل حماية الفطرة الصحيحة عما يفسدها

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٢٠ ، ٨ يناير ٢٠٢٠
ما سبل حماية الفطرة الصحيحة عما يفسدها

معنى الفطرة

اختلف العلماء في تحديد معنى الفطرة؛ فمنهم من قال أنّها الخلقة، والسلامة، والتهيؤ للقبول، وقيل: الفطرة: البداءة، وقيل هي الإسلام، وهو المعروف عند عامة السلف، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدْعَاءَ، ثُمَّ يقولُ أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ})[١] [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ولما كان الإسلام هو دينَ الفطرة لم يحتج أن يقول: فأبواه يسلمانه، وقد ضرب الله مثل الفطرة السليمة عندما تلتقي بنور الوحي في سورة النور بالزيت الصافي الذي يشع نورًا، وعند إيقاد السراج به يلتقي النوران فيصبح نورًا على نور: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[٢]، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم في خطبته: {أَلَا إنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُمْ، ممَّا عَلَّمَنِي يَومِي هذا:.. وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ به سُلْطَانًا} [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح] ومعنى حنيف أي على استقامة، كما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: {الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ} [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، كما روت عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: {عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإعْفاءُ اللِّحْيَةِ، والسِّواكُ، واسْتِنْشاقُ الماءِ، وقَصُّ الأظْفارِ، وغَسْلُ البَراجِمِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، وانْتِقاصُ الماءِ} [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، وهذه مجموعة من السنن التي أنعم الله بها على الإنسان بأن تكون في فطرته ولا يخالفها إلا من تلوثت فطرته[٣][٤].


طرق المحافظة على الفطرة السليمة

عملت الكثير من الأمم والحضارات منذ زمن طويل على إيجاد سبل لرعاية الفطرة والحفاظ عليها سليمة من التّحريف، وقد تحقّق ذلك عندما بعث الله سبحانهُ وتعالى النّبيّ محمد -صلى الله عليه وسلم- برسالة الإسلام الحنيف، وبيّن من خلالها التربية الإسلامية التي تقوم على رعاية الفطرة الإنسانية والعناية بجميع شؤونها حتى يتسنّى للإنسان أداء مهمته على الأرض بالوجه الذي يرتضيه الله عز وجل؛ ففي رسالة الإسلام منهج يُعنى بالفطرة فلا يزيد عليها ولا ينقص منها ويتوافق معها في جميع جوانبها الروحانية والعقلية والجسدية، ولا شك أن الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- هو خير قدوة عند الحديث عن التربية الإسلامية، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[٥]، وقال أيضًا: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ}[٦]، وجسّد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك من خلال أمور عدّة منها[٧][٨]:

  • اتّباع هدي النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وتصديق سيرته، والعمل بما أمر به.
  • اتخاذ النبيّ عليه السلام قدوة؛ إذ إنّه المعلم الأول، وصاحب الشخصية المتكاملة والمتوازنة.
  • العناية بالمظهر الحسن وتتمثل في الطهارة الجسدية، قال تعالى: {واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}[٩]، وتتمثل أيضًا في الطهارة المعنوية والمتمثلة في طاعة الله تعالى واجتناب نواهيه وتطهير النية والأعمال والسلوكيات.
  • الاستقامة على نهج الإيمان، قال تعالى: {ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}[١٠]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ} [صحيح مسلم| خلاصة حكم المحدث: صحيح]، ويتحقق هذا الأمر عن طريق فهم الدين والفقه الشرعي.
  • السعي لتحقيق معنى التّوازن في الحياة كافّة، فقد ربطت التربية الإسلاميّة بين وحدات الكيان البشرية التي تتمثّل بالجسم، والعقل، والروح، وخطّت منهاجًا متوازنًا يُحيط بجميع الجوانب الإنسانيّة.


علاقة الفطرة بتوحيد الله والدعاء

في كل نفس بشرية حاجة لتوحيد الله عزّ وجلّ، قال تعالى: {فأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[١١]، وأكد الرسول ذلك في أحاديث كثيرة فقال -صلى الله عليه وسلم-: {كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، فإِمَّا شَاكِرًا، وَإِمَّا كَفُورًا} [نيل الأوطار| خلاصة حكم المحدث:أصله في الصحيحين]، وبيّن القرآن الكريم أنّ رسول الله إبراهيم اتجه إلى توحيد الله تعالى بفطرته، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[١٢].

يبرز دور الفطرة بالحاجة إلى الدعاء، لا سيما عند نزول المصائب بالإنسان، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[١٣]، ودليل ذلك فعل فرعون حين أدركه الغرق: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[١٤]، ومن وصايا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو الإنسان قبل نومه: {إذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقِّكَ الأيْمَنِ، وقُلْ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَهْبَةً ورَغْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجا مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بكِتابِكَ الذي أنْزَلْتَ، وبِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإنْ مُتَّ مُتَّ علَى الفِطْرَةِ فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تَقُولُ} [صحيح البخاري| خلاصة حكم المحدث: صحيح][١٥].


المراجع

  1. سورة الروم، آية: 30.
  2. سورة النور ، آية: 35.
  3. ديبان محمد الديبان (2-2-2012)، "تعريف الفطرة"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 3-1-2020. بتصرّف.
  4. أمين الشقاوي (4-12-2016)، "الفطرة السليمة"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 3-1-2020. بتصرّف.
  5. سورة الأحزاب، آية: 21.
  6. سورة آل عمران، آية: 164.
  7. صالح أبو عراد، "هل الفطرة أصلٌ في تربية الإنسان المسلم ؟"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 3-1-2020. بتصرّف.
  8. صالح أبو عراد الشهري، "سنن الفطرة وآثارها التربوية"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 3-1-2020. بتصرّف.
  9. سورة التوبة، آية: 108.
  10. سورة النساء، آية: 125.
  11. سورة الروم، آية: 30.
  12. سورة الأنعام، آية: 74-79.
  13. سورة يونس، آية: 22-23.
  14. سورة يونس، آية: 90.
  15. بدر هميسه، "الإسلام دين الفطرة"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 5-1-2020. بتصرّف.